من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠١ - وما أدراك ما العقبة
[٤] أيهما أيسر عليك إذا حملت ما يزن خمسة كيليات وأنت تزعم أنها عشرة، أو كنت تزعم أنها ثلاثة؟! كذلك حينما تواجه الحياة وأنت ترى أنها كما التسلق على جبل أشم، فإنك تتغلب بسهولة، بعكس ما لو زعمت أنها مجرد رحلة سياحية. والقرآن الكريم يريدنا أن نعرف حقيقة الحياة، ونسمو إلى مستواها، لأنه أفضل لديننا ودنيانا من أن نتهرب منها بحثا عن الراحة، القرآن يريدك قوي الظهر حتى لا يثقل عليك أي حمل، ولا يريدك تبحث دائما عن الحمل الخفيف وقد لا تجده .. أولم تقرأ قول الله سبحانه يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق: ٦]. بلى، وكل حياة الإنسان كدح، إلا إنه قد يغفل عنه فيهرب إلى ما هو أشد كدحا، أو يستسهله ويتغلب على صعابه حتى لا يعود يعترف بأية صعوبة. لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ وأنى لك الفرار من أمر خلقت فيه وهو داخل كيانك بل هو أصل وجودك شئت أم أبيت؟! قالوا: الكبد الشدة والنصب.
الوجود ذاته سلسلة انتصارات ضد العدم، أوليس الوجود نورا يجعل الشيء واقعا! تصور أن النور ذرات متلاحقة متصلة، فإذا توقفت فليس ثمة سوى ظلام. والحياة بدورها سلسلة صراعات ضد الموت، إنها هي الأخرى نور متجدد، وهي نتيجة ملايين من العوامل المتزامنة لو فقد بعضها انعدمت. كما إن حياة كل واحد منا صراع مع الطبيعة، أوتعرف كم مليار جرثومة هجمت عليك خلال رحلة حياتك بهدف القضاء عليك، وكم مرة تعرضت أو تتعرض لخطر الموت فنجوت منها بإذن الله، وحتى على مستوى الظاهر تجد الإنسان في كبد، يصارع من أجل البقاء في ظلمات الرحم، ويواجه أكبر التحديات عند الولادة، حتى اعتبروا ساعتها كساعتي الموت والنشور أشد مما يمر به البشر، وفي الطفولة المبكرة يعاني من الجوع والعطش والألم ويتحدى الأخطار، أوليس تشكل نسبة الوفيات عند الأطفال الأعلى في البلاد النامية ونسبة عالية في غيرها؟!.
راقب طفلا يتعلم المشي وانظر كم يتقدم وكم يسقط، وراقبه عند تعلم اللغة كم يعاني من صعوبة، وراقبه عندما يسعى لإقناع والديه برغبة ملحة كم يبكي، وكم يجهد نفسه؟. كل ذلك جانب من معاناة الطفل. أما معاناة الكبار فإنها لا تنتهي لأن الإنسان خلق شاعرا طموحا، والشعور يفرز الألم، والطموح سبيل المعاناة، وهذا هو الذي يميزه عن سائر الأحياء.
[٥] وفي هذه المكابدة يستوي المؤمن والكافر، والغني والفقير، والكبير، والصغير، وكل من سمي إنسان. قد لا تحس أنت بمعاناة رفيقك لأنك لست في قلبه، فتزعم أن غيرك أفضل منك، ولكن أوليسوا هم أيضا بشرا أمثالك. بلى، إذا تعالوا نرضى بواقعنا، ونتحمل المسؤولية، ولا يقول الواحد: الآن أنا صغير، لو كبرت لارتحت مما أعانيه، لأن الكبار أفضل، أو يقول: أنا الآن أعزب لو تزوجت أو أن سبب
متاعبي فقري فلو أغناني الله بلغت الراحة، أو أن سبب