من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - إن ربك لبالمرصاد
والسعي إلى مكة من كل فج عميق، بعد الإحرام والكف عن الشهوات بعد التطواف والسعي والوقوف بعرفة ثم بمزدلفة، بعد كل الإجهاد يأتي فجر العيد المبارك ليمسح بأصابع من نور الرحمة والبركات على رؤوس الحجيج ويمنحهم جائزتهم الكبرى. وبالرغم من أن الليالي العشر سبقت الفجر، إلا إن الفجر هو الهدف منها ولذلك سبقها بالبيان، لنعلم أن عاقبة العسر يسر، وأن ليالي الجهاد والصبر والاستقامة على ظلم الطغاة ستنتهي بفجر النصر المبين بإذن الله، كما تنتهي ليالي الحج بفجر العيد. وَلَيَالٍ عَشْرٍ قالوا: إن وَلَيَالٍ جاءت بلا ألف ولام للدلالة على التعظيم، بلى، وليلة الجهد والتعب طويلة كما ليلة الترقب والانتظار، وليالي المؤمنين مزيجة أبدا بالجهد المكثف والانتظار معاً فما أطولها. وقال بعضهم: إن هذه الليالي إشارة إلى العشرة الأخيرة من شهر رمضان لما فيها من عظمة.
[٣] أقسم بالشفع والوتر، بيوم العيد ومن قبله يوم عرفة، وبما هو من العبادات شفع كركعات الصلاة الثنائية والرباعية، وبما هي منفردة كالوتيرة وصلاة المغرب. قسما بكل زوجين، وبكل شيء منفرد، فليذهب خيالك أنى شاء فإنه لن يجد سوى زوج أو فرد فقسما بكل ذلك: إن ربك لبالمرصاد. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ.
[٤] هل وفقت للحج أو تذكرت الإفاضة حيث ينهمر سيل الحجيج من عرفات عبر شعاب الوديان وفوق أكتاف الروابي نحو مزدلفة مهللين مكبرين، وقد تجردوا عن سماتهم المميزة، حاسري الرؤوس، معتمري ثياب الإحرام البسيطة، وأمامهم هدف واحد يبتغونه وهو مرضاة ربهم؟.
إنها حقا مسيرة التوحيد، مسيرة الوحدة، مسيرة التقوى مسيرة الرحمة .. في تلك الساعة لو كنت قادرا على تجريد نفسك من مؤثرات المسيرة والنظر إليها من الخارج لرأيت عجبا، رأيت وكان الأرض والسماء تسيران، وأن الليل بذاته يسير معكم. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ قسما بتلك الليلة المشهودة: إن مسيرة الحق منتصرة لأن الله من الطغاة بالمرصاد. قالوا: إن المراد من يَسْرِ أنه يُسرى فيه، كما يقال ليل نائم ونهار صائم، وأنشدوا
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى
ونمت وما ليل المطي بنائم