من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - هل أتاك حديث الغاشية؟
بالقياس إلى ذلك اليوم تافهة جدا. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ للاستفهام وقع كبير في النفس، والسؤال هنا عن حديث هام يفرض نفسه ويأتيك سعيا لضخامته، بينما الأحاديث التافهة تبحث عنها وقد لا تجد لها أثرا .. بلى، إنه الحديث عن الغاشية، حقيقة تغشى كل شيء. البر والبحر والجبال والأحياء .. تحيط بها القيامة، والسموات وما فيها تنوء بها، فأنى لهذا الإنسان .. ماذا يغشانا من القيامة؟ أدخانها كما قال ربنا يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ [الدخان: ١٠- ١١]، أم نارها وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ [إبراهيم: ٥٠]، أم زلزالها إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة: ١- ٢]، أم صيحتها، أم قارعتها، أم صاختها، أم كل أهوالها؟ بلى، إنها الغاشية التي لا تدع أحدا يهرب منها، وإنها الغاشية التي لا تترك جزءا من الإنسان فارغاً.
[٢] وأبرز ما يغشاه ذلك اليوم الوجه الذي هو مظهر الإنسان. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ يعلو وجوههم قتر وهوان، وخشوع الخيبة والذل، لأنهم لم يخشعوا في الدنيا خشوع الكرامة والعزة، ولذلك نقرأ في الدعاء
[اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خُشُوعَ الْإِيمَانِ قَبْلَ خُشُوعِ الذُّلِّ فِي النَّار] [١].
[٣] ولأنها تكاسلت في الدنيا، وأهملت واجباتها، وتهربت من المسؤوليات، فإنك تراها في ذلك اليوم في كدح وتعب. عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ قالوا: هذا في الدنيا، إذ لا عمل في الآخرة، وفسروا العمل بالدأب في السير والنصب بالتعب، ولكن من قال لا عمل في الآخرة ولا نصب؟ بلى، وتحركهم في صحراء المحشر وسط ظلام دامس تسوقهم ملائكة العذاب، ويشهد عليهم ملائكة الحساب .. إنه عمل ناصب. إنما عملهم ثمة بلا فائدة ترجى لهم، ونصبهم بلا ربح ومكسب، ولو أنهم أجهدوا أنفسهم في الدنيا قليلا لأعقبتهم راحة طويلة في العقبى، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في صفة المتقين
[صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً] [٢].
وفي طائفة من النصوص المأثورة تفسير هذه الآية بأولئك الذين يعملون في الدنيا وينصبون ولكن في طريق خاطئ فلا يكسبون من عملهم نقيرا، لأنهم يوالون الطواغيت، وينصبون لأئمة الهدى، وتابعيهم [٣]، وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن هؤلاء هم أهل حروراء، يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه واله فقال
[تَحْقرونَ صَلاتكُم مَعَ صَلاتهِم، وصِيَامكُم مَعَ صِيَامِهِم، وَأَعْمَالَكُم مَعَ أَعْمَالِهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة][٤].
[١] بحار الأنوار ج ٩٥، ص ٩٥، من أدعية السحر في شهر رمضان.
[٢] نهج البلاغة: خطبة المتقين.
[٣] راجع نور الثقلين: ج ٥، ص ٥٦٤- ٥٦٣.
[٤] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ٢٨، حديث الخوارج مستفيض حتى في الصحاح وغيرها.