من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - سبح اسم ربك الأعلى
عنها وقع في حرج عظيم. أرأيت الذي يترك الطريق المعبد إلى المتاهات الوعرة، إنه لا يبلغ أهدافه، ولو بلغ شيئا منها فإنما بجهد مضاعف. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى لم يخلق الله الإنسان ليعذبه، أو ليلهو بخلقه سبحانه، ولكنه خلقه ليرحمه، وليتفضل عليه بمنه وكرامته، كما لم يخلق حيا ليعذبه أو يلهو به، وأما الذي يقع على البشر من عذاب ومن مشاكل فبما كسبت أيديهم. هكذا فسروا اليسرى بالشريعة السمحاء التي وفق الله النبي وأمته إليها لكي يعيشوا بأمان وسكينة. إنها الشريعة التي تبعث رؤى وبصائر الإنسان من وجدانه، وتتناسب مع فطرته وحاجاته، وتنسجم مع الطبيعة من حوله.
إن دين الله يختار بين مناهج المعرفة ذلك المنهج القائم على أساس استثارة الفطرة ومخاطبة الوجدان، ويرغب الإنسان للنظر بنفسه في الأشياء، وملامسة الحقائق بالسير في الأرض والتفكر في آثار الغابرين ومراقبة ظواهر الطبيعة. ويتبع هذا المنهج في سائر ما يحتاج إليه الإنسان من معارف، في عقائده وأحكامه، في معاملته مع الآخرين، لأن الاطمئنان والثقة والعرف وشهادة العدول ورأي الخبراء هي موازين التعامل بين الناس، وهي إذا قيست إلى غيرها من المناهج المعقدة في سائر الأديان سهلة وميسرة. كما أن أحكام الدين في المواقيت والمكيال والميزان تتصل بالحالة الطبيعية للإنسان. أرأيت كيف أوجب الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد الغروب وعند دلوكها، وأوجب الصيام مع الهلال الذي يشهده الجميع؟ ولم يهمل أية حاجة من حوائج البشر، فلا حرم الزواج، ولا نهى عن زينة الحياة الدنيا، ولا ضيع العواطف، ولا أهمل تطلعات الروح .. وأي شريعة أيسر من التي تتناسب وحاجات البشر؟ ولعل هذا هو سر انتشار الإسلام عبر القرون بصورة مطردة، ولا يزال الدين الإسلامي هو الأول في نسبة زيادة عدد المنتمين إليه كل عام. وقد وفق الله رسوله صلى الله عليه واله لتقبل الوحي، ويسره له، ويسر معارف القرآن لمن أراد بتوفيق منه، ولولا أن الله يسر ذلك لما استطاع العقل معرفة كلمة واحدة من كلمات الرب.
[٩] لأن الله يسر شريعته للناس، ويسر الحياة لهم بها، أمر بالدعوة إليها عبر المنهاج الميسر المتمثل في التذكرة. أليست التذكرة تستهدف إثارة العقل وإيقاظ الضمير ليبصر الإنسان الحقيقة بنفسه ومن دون حجاب أو وسيط؟ فَذَكِّرْ ولكن هل التذكرة تنفع الناس جميعا شاؤوا الانتفاع بها أم أبوا؟ كلا .. إنها لن تنفع من لا يخشى، لأنها إثارة العقل من داخل الإنسان، وشرط نفعها استعداد الإنسان للتأثر بها، أما القلب الجامد الجاحد المتصلب فإنه أشد من الصم الصياخيد، وهكذا قال ربنا إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى يعني أن تذكرتك نافعة مع وجود الشروط الموضوعية لها، أما بدونها فهي لا تنفع، لا لنقص فيها وإنما للصد من قبلهم، وهذا لا يعني الكف عن التذكرة أن لم تنفع إذ لا يفهم نفعها أو عدم نفعها إلا بعدها، وهذا مثل