من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - قتل أصحاب الأخدود
والتعذيب والقتل!.
وقد نتساءل: ما الذي جعل هذا الإنسان الذي لا يكاد يتحمل أذى بقة يقتحم النيران المتقدة بجسده البض ليحترق أمام أعين الناقمين والشامتين، دون أن يتنازل عن إيمانه؟.
أقول
أولًا: إن وضوح الرؤية عندهم كان قد بلغ حدًّا كانوا يعيشون ببصائر قلوبهم الجنة ونعيمها فيتسلون بها عن شهوات الدنيا، ويعيشون بقوى قلوبهم النار وعذابها فتهون عليهم مصائب الدنيا ومشاكلها. وإننا نقرأ قصة الأم التي ترددت قليلا باقتحام النار مع رضيعها فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ (يعني نار جهنم) فقذفا جميعا أنفسهما في النار.
ثانياً: عندما يقرر الإنسان شيئا يسهل عليه القيام به، وبالذات حينما يكون الأمر في سبيل الله يُهوَنه الرب له، ويثبت عليه قدمه، ويرزقه الصبر على آلامه وتبعاته، ويقوي إيمانه، ويشحذ بصيرته ليرى بها أجره في الآخرة .. وهكذا ترى عباد الله الصالحين يقاومون عبر التاريخ مختلف الضغوط، ويتحملون ألوانا من الأذى بقلب راض ونفس مطمئنة، لعلمهم أن سنن الله واحدة لا تتغير ولا تتبدل، وأن المؤمنين الذين احترقوا في الأخدود هم سواء مع أي مؤمن يعتقل اليوم في سجون الطغاة أو يعذب أو يقتل أو يتحمل مشاكل الهجرة والجهاد ومصائبهما، وكما خلد الله أمجاد أولئك الصديقين فإنه لا يضيع اجر هؤلاء التابعين لهم، وكما أن الله قتل أصحاب الأخدود ونصر رسالاته فإنه يهلك الجبارين اليوم ويستخلفهم بقوم آخرين.
[٨] عند هيجان الصراع وثورة الدعاية ضد المؤمنين. لا يعرف الناس ماذا يفعلون، وأي جريمة يرتكبون، ولكن عندما يرجعون إلى أنفسهم بعدئذ ويتساءلون: لماذا قتلوا المؤمنين، ولماذا نقموا منهم، يعرفون أنهم كانوا في ضلال بعيد. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فلا أفسدوا في الأرض، ولا اعتدوا على أحد، ولا طالبوا بغير حق، وإنما استعادوا حريتهم، وآمنوا بربهم الله العزيز المنيع الذي لا يقهر والحميد الذي لا يجور ولا يبخل، ويعطي جزاء العباد، ويزيدهم من فضله.
[٩] وأيهما الحق التمرد على سلطان السماوات والأرض، والدخول في عبودية بشر لا يملكون دفع الضر عنهم، أم التحرر من كل عبودية وقيد، والدخول في حصن الملك المقتدر القاهر الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وبالرغم من أن الله منح الطغاة فرصة الاختيار ضمن مهلة محدودة إلا إنه شاهد على ما يعملون، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض. وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.