من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - إنك كادح لربك كدحا فملاقيه
فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام
فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَام؟
. قَالَ: إِجْلَالًا لَكَ وَمَهَابَةً مَا يَنْطِقُ لِسَانِي بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنِّي شَاهَدْتُ الْعُلَمَاءَ وَنَاظَرْتُ المُتَكَلِّمِينَ فَمَا تَدَاخَلَنِي هَيْبَةٌ قَطُّ مِثْلُ مَا تَدَاخَلَنِي مِنْ هَيْبَتِكَ. قَالَ عليه السلام
يَكُونُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَفْتَحُ عَلَيْكَ بِسُؤَالٍ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ
أَمَصْنُوعٌ أَنْتَ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ
. فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ: بَلْ أَنَا غَيْرُ مَصْنُوعٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام
فَصِفْ لِي لَوْ كُنْتَ مَصْنُوعاً كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ.
فَبَقِيَ عَبْدُ الْكَرِيمِ مَلِيّاً لا يُحِيرُ جَوَاباً وَوَلَعَ بِخَشَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: طَوِيلٌ عَرِيضٌ عَمِيقٌ قَصِيرٌ مُتَحَرِّكٌ سَاكِنٌ كُلُّ ذَلِكَ صِفَةُ خَلْقِهِ، فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ عليه السلام
فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ صِفَةَ الصَّنْعَةِ غَيْرَهَا فَاجْعَلْ نَفْسَكَ مَصْنُوعاً لِمَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يَحْدُثُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ: سَأَلْتَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَلَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ عَنْ مِثْلِهَا] [١]، ... إلى أن اعترف أخيرا بأن له صانعا ... والحديث طويل أخذنا الشاهد منه.
وقد صاغ المتكلمون الحجة التالية من هذه الحقيقة فقالوا: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث. حقًّا إن تطورات الخليقة من حولنا، وتطورات حياتنا، وتقلبنا حالا بعد حال (طبقا عن طبق) أفضل سبيل لمعرفة الرب وحكمة خلقه لنا، ولكن ليس كل الناس يسلكون هذا السبيل لأن بعضهم تراه يكذب ويبني حياته على أساس التكذيب، فلا تنفعه الحجج ولا المواعظ والعبر. فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وتأتي هذه الآية في سياق بيان تلك الحقائق المفزعة لعلها تنفض من فؤاد الإنسان رواسب الغفلة والتهاون.
[٢١] حين يتصل قلب الإنسان بشلال النور لا تملك جوارحه إلا الاستجابة لمؤثرات الوحي، فأي قلب واع لا يخضع لهذا الوحي الذي كاد يصدع الجبال الراسيات، أم أية جبهة لا تخر ساجدة على التراب أمام هذه الصعقات المتتالية التي تنبعث من ضمير القرآن. وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ قالوا: السجود هنا بمعنى التسليم والخضوع للقرآن، وقال بعضهم: إنه السجود المعهود الذي ينبأ عن التسليم النفسي، وقد اعتبر أئمة أهل البيت عليه السلام السجود عند قراءة هذه مندوبا.
[٢٢] أنى كانت الحجج الإلهية بالغة فإن الجاحد يظل يعاند ويكذب، لأنه قد قرر سلفا عدم التصديق بها، لذلك فإن موقفه لا يعكس ضعفاً في الحجة بل انحرافا في نفسه. بَلْ الَّذِينَ
[١] الكافي: ج ١، ص ٧٥.