من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - إنك كادح لربك كدحا فملاقيه
نرجع إلى بيوتنا. وقال المفسرون عن الشفق: إنه امتزاج ضوء النهار بظلام الليل، وقيل: إن أصل الشفق الرقة، وإنما سمي المغيب بالشفق لأنه ينتشر في الأفق ضياء رقيقا.
وقالوا عن (لا) في فَلا أُقْسِمُ: إنها زائدة للتأكيد، وقيل: بل معناها تعظيم الشفق أن يقسم به، أو تعظيم الحقيقة حتى لا تحتاج إلى قسم، وقد سبق منا: أن النفي هنا يفيد تأكيد معنى القسم لعدم الحاجة إليه.
[١٧] وبعد أن يلملم الشفق بقايا خيوط الضياء، يسوق ظلام الليل الناس ليهجعوا، والأشياء لتنكمش، ذلك أن الضوء يبسط الطبيعة، في حين أن الظلام يجمعها .. أرأيت أسراب الطيور عند الشفق كيف تعود إلى أوكارها، وقطعان الأنعام تروح إلى مرابضها، والناس أيضا يعودون إلى دورهم ومساكنهم؛ إنه منظر رائع حقًّا. وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ قالوا: الوسق: الجمع، وطعام موسوق أي مجموع.
[١٨] ويطلع القمر، ويندفع إلى كبد السماء، ويتجلى بنوره الفضي كسفينة من فضة تسير في بحر من الظلام، ويبعث من أفق السماء بنوره الهادئ فوق الآجام والروابي بما لا يزاحم نوم النائمين، وفي الوقت ذاته يكون سراجا للسارين ليلا وأنيسا للشعراء والوالهين، وآية مبصرة لمن يحيي الليل من المتهجدين. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ قالوا: [اتسق: مشتقة من الوسق، بمعنى تجميع أطراف الشيء مما يوحي بكماله]، وقالوا: [إنه كناية عن القمر عندما يكتمل بدرا]. ويبدو لي أنه أعم منه والمراد من اتساقه ارتفاعه في كبد السماء، وبعيدا عن كدر الأفق، والله العالم.
[١٩] إن الإنسان ينتقل من حال إلى حال .. تلك هي الحقيقة التي لا بد أن يعيها الإنسان بعمق، وإلا فإنه يخشى عليه أن يضل سبيله. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ما هو المراد من الطبق؟ قالوا: الطبق في اللغة بمعنى الحال، ثم ساقوا أمثلة لذلك، فذكروا أن الدواهي تسمى أم طبق، وبنات طبق، واستشهدوا بقول الشاعر
الصبر أحمد والدنيا مفجعة
من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقا
إذا صفا لك من مسرورها طبق
أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا