من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - إنك كادح لربك كدحا فملاقيه
وَيَصْلَى سَعِيراً نارا مستعرة متقدة ذات أوار ولهب.
[١٣] لماذا هذا المصير؟ لأنه كان في الدنيا مسرورا، لاهيا عما يراد به، مستهزئاً بالدعاة إلى الله. إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً والسرور هو إحساس الإنسان بأنه قد بلغ أهدافه. والدنيا غاية علم الكافرين، ولذلك تراهم يفرحون بما أوتوا فيها، وتغلق آفاق طموحهم دون الحياة الآخرة، فلا يقدمون لها شيئا.
[١٤] كيف يتجاوز المؤمنون ظاهر الدنيا إلى غيب الآخرة؟ إنما بإيمانهم بالنشور، وغيرهم يظن أنه لا يعود. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي يعود إلى الآخرة للحساب. قالوا: الحور: الرجوع، وقيل: كلَّمتة فلم يحر جوابا: أي ما أرجع قولا، ولا رد كلاما، جاء في الدعاء
[نَعُوذُ بِالله مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ]
[١] أي من العودة إلى النقصان بعد الزيادة، وسميت البكرة ب- [بالمحور] لأنها تدور حتى ترجع إلى محلها.
[١٥] وكان ظنه باطلا. فإنه ليس يحور فقط، وإنما أيضا يحاسب بهذه من لدن رب بصير بشأنه، محيط علما بظاهر فعله وغيب نيته. بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً ولأن الإنسان يبرر جرائمه وضلاله عادة؛ فإن السبيل الوحيد لإصلاحه هو تحسسه برقابة الله عليه، وأنه بصير بخبايا قلبه أنى برر أو نافق.
[١٦] هل راقبت يوما الغروب: كيف تسقط الشمس في الأفق، وينبسط عليه الشفق، ويلملم الظلام شمل الطيور في أوكارها، والوحوش والهوام في بيوتها وجحورها، والناس في مساكنهم، وإذا بالقمر يطلع علينا بنور هادئ. إنه مثل للأطوار التي يتحول عبرها الإنسان منذ أن كان نطفة في صلب أبيه، وإلى أن يضمه التراب في رحمه. إنه في رحلة متواصلة يركب فيها طبقا بعد طبق، أفلا نؤمن بأننا لسنا مالكي أنفسنا، وأن من يملك أمرنا أنشأنا لحكمة، فأين تلك الحكمة لو لم تكن في القرآن؟! أفلا نسجد لربنا حين نتلو آياته؟! حقًّا .. إنها حكمة الخلق التي أشارت إليها الآية الكريمة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ لغروب الشمس هيبة في النفوس، وجلال عظيم، وإن منظر الشمس حين تغرب يثير فينا أكثر من إحساس؛ إنه يرسم على الأفق لوحة متحركة، بارعة الجمال، ذات ألوان تبهر الألباب، ولكنه لا يلبث أن يثير فينا الحزن على ينبوع النور الذي بلعه المغيب ولو بصورة مؤقتة، مما يجعلنا نتساءل: ألسنا نحن أيضا ننتظر الغروب عندما يحين أجلنا. ومتى يأتي الأجل؟ لا ندري. وأخيرا يصل الإنسان إلى قناعة: لا بد من الرضا بالواقع؟ تعالوا
[١] بحار الأنوار: ج ٣٤، ص ٢٠٠.