من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
إذن أن يكون التعامل معها ضمن حدود الله وتوجيه القيادة الإلهية، ولذلك بدأ الخطاب بالنبي ثم توسَّع إلى سائر المسلمين «يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ».
والملاحظ أنه تعالى قال «طَلَّقْتُمْ» بصيغة الماضي، ثم قال «فَطَلِّقُوهُنَّ» مما يدل على أن للطلاق مرحلتين: المرحلة النفسية الداخلية، والمرحلة القانونية الظاهرية، وتلك تسبق هذه إلا أنها لا تكفي لتحقق الطلاق لأنه يجب إجراء الطلاق وفق حدوده ومنها الصيغة التي تفيد إيقاعه كقول الرجل: زوجتي فلانة طالق، أو: أنت طالق .. كما يفيد قوله «طَلَّقْتُمْ» الجزم والاستقرار أي جزمتم واستقريتم على هذا القرار في أنفسكم وأردتم إيقاعه. و لعل كلمة «النِّسَاءَ» تنصرف إلى الزوجات اللاتي تم الدخول بهن، فإن غير المدخول بها ليس لها عدة، لأن الحكمة منها- حسب الأخبار- منع اختلاط المياه، وهذا منتفٍ إلا في المدخول بهن. و لأن هناك طلاق الجاهلية وطلاق البدعة لم يدع الوحي الكلمة هكذا إنما حدد النوع المشروع والصحيح من الطلاق، وهو الذي تأتي الآيات اللاحقة على بيان حدوده وشروطه، ومن شروطه العدة، وأن يتم في طهر لم يواقعها فيه، لأنه وحده الذي يدخل في حساب العدة الشرعية [١].
«فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» وكلمة «فَطَلِّقُوهُنَّ» من الناحية القانونية تعتبر تشريعا للطلاق، الأمر الذي يختلف فيه الإسلام عن بعض المذاهب التي حرمته ومنعته فلم تحل المشكلة، بل تسببت في كثير من المشاكل النفسية والأسرية والاجتماعية. ولم يقل الله: للعدة؛ لكونها تختلف من امرأة لأخرى، فعدة الحامل تختلف عن غير الحامل، قالوا في تفسير كلمة «لِعِدَّتِهِنَّ» أي لزمان عدتهن، وذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن ومجاهد وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي، فهذا هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتحصل في العدة عقيب الطلاق. فالمعنى فطلقوهن لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، ولا تطلقوهن لحيضهن الذي لا يعتدون به من قرئهن، فعلى هذا يكون العدة الطهر] [٢].
وتهدينا الآية إلى أن المرأة لا تنفصل كليًّا عن زوجها بمجرد أن تنطلق من لسانه صيغة الطلاق الأولى، لتكون حرة في اختيار غيره مثلا، إنما تبقى في بيته وتحت مسؤوليته أثناء عدتها، فإذا انتهت العدة
سرى مفعول الطلاق عمليًّا فتنفصل المرأة عن زوجها تماما لتصبح في غير عهدته إلا أن يرجع إليها وترجع إليه، لذلك قال تعالى «وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ»
[١] قال الإمام الصادق عليه السلام
: (لَا طَلَاقَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ]
أصول الكافي: ج ١، ص ٣٥٠.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٨٦.