من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٧
[٣٢] وبالإضافة إلى النجاة من النار فإنهم يحظون بنعيم الأبد «حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً» ولعل ذكر العنب بين سائر الثمار لأنه طعام وفاكهة وفيه من الفوائد ما ليس في غيره، حتى جاء في الحديث النبوي
خَيْرُ فَاكِهَتِكُمُ الْعِنَبُ] [١].
[٣٣] الزوجة الموافقة تكمل السعادة، ليس لأنها فقط للتمتع الجنسي، وإنما أيضا لحاجة الروح إلى تفاعل مع روح أخرى، تكون لها كالمرآة تنظر فيها نفسها والعكس، وقد وفَّر الله لعباده الصالحين الحور العين في الجنة، بأفضل ما يتصوره البشر، بل وأفضل ما قد يتصوره جمال قمة في الروعة والجمال الظاهري، ومثل أعلى لجمال الروح، والخلق الفاضل والأدب الرفيع حتى يصلحن للمؤمنين ومستواهم السامي «وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً» الكاعب: البنت عند استدارة صدرها، وتفتح أنوثتها مما تكون ألذ للرجل وأشهى، فهن كواعب، ثم هن أتراب موافقات لروح الرجل خلقا وعقلا وشهوات. ويملك المؤمن أكثر من واحدة منهن حسب أعماله الصالحة مما يستحيل مثل ذلك في الحياة الدنيا.
[٣٤] جلسات الإنس لا تصفوا دون شراب منشط، وقد وفره الله للصالحين بأحسن ما يشتهون «وَكَأْساً دِهَاقاً» قالوا: الدهاق ما امتلأت من الشراب، وقيل: ما تواصلت، وقيل: ما صفت. وكلها تصدق في شراب الجنة.
[٣٥] ولا تكتمل نعم الحياة بسوى الأمن، والجنة دار السلام فلا اعتداء ولا ظلم ولا مرض ولا سبات ولا خشية فناء النعم وزوالها .. وحتى الكلمات الجارحة التي تبعث الرعب والقلق والألم في النفس لا وجود لها «لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً» وإنما يتبادلون العلم والمحبة وذكريات الماضي ويحمدون ربهم على النعم. ولماذا قول اللغو من غيبة وتهمة وفحش أو كلام يخلو من الفائدة ما دامت نفوسهم طيبة والخيرات متوافرة لهم وعقولهم موفورة؟ ولماذا الكذب وهو لا يكون إلا لخبث أو خوف أو طمع وأهل الجنة مَبَرَّؤون من كل ذلك؟ والسياق يؤشر بسلامة" الكأس" من التأثير في العقول، أي أن الجنة عامة ليس فيها
اللغو أو الكذب بالرغم من وجود الشراب. ونستفيد أن السلامة النفسية والاطمئنان وتمام الراحة يكون بعدم اللغو والكذب، وأن الحديث الحسن هو الخالي منهما.
[٣٦] كل هذه النعم تترى عليهم بفضل الله لأنهم اختاروا الصراط المستقيم والعمل الصالح «جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً» يبدو أن معناه أن هذا العطاء العظيم يكون حسب أعمالهم حيث إن درجات المؤمنين تختلف هناك حسب درجاتهم هنا. وقيل «حِسَاباً» بمعنى الجزاء الوافي بحيث يقول المجزي: حسبي، يقال: أحسبت فلانا أي كثرت له العطاء حتى قال حسبي.
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٦، ص ٣٩٣.