من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٩
يؤيد به الله أنبيائه، قال سبحانه «قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» [النحل: ١٠٢]، وهو حسب تفسيرنا المراد بقوله سبحانه «وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» [ [الإسراء: ٨٥]، وقوله سبحانه «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» [القدر: ٤]. وقال البعض: إنه جند من جنود الرحمن كما الملائكة، وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
الرُّوحُ جُنْدٌ مِن جُنودِ الله لَيْسُوا بِمَلائِكَة لهَم رُؤوسٌ وَأَيدِي وَأَرْجٌل، ثُمَّ قَرَأَ
«يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً»
، قَال: هَؤَلاءِ جُنْدٌ وَهَؤُلاءِ جُنْد]
[١]. وقال بعضهم: إنه جبرائيل أليس يقول ربنا عنه «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ» [الشعراء: ١٩٣- ١٩٤]. وقال بعضهم
المراد أرواح الخلائق، وقال آخرون: المراد القرآن، وقالوا: أشراف الملائكة، وقالوا: بنو آدم، والمعنى ذوو الروح] [٢].
ويبدو لي أن الروح في الأصل خلق نوراني أعظم من الملائكة وله جنود وامتدادات، فمنه تستمد أرواح الناس قوتهم وحياتهم، وبه يؤيد الله أنبياءه وأولياءه، وهو الذي يتنزل في ليلة القدر، وهو الذي يقوم بين يدي الله يوم القيام مع صفوف الملائكة «وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ» لأن هيبة الله تقفل ألسنتهم، ولأنهم محكومون مربوبون، فمن السَّفَه أن يُتَّخذ أحد منهم إلها لأن كل ما لديهم من الله سبحانه، وحتى الشفاعة لا يقدرون عليها إلا بعد أن يأذن الله لهم بها، والله لا يأذن بها إلا لمن يشاء وبحكمة أي بحساب دقيق «إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً» وهذه الآية تذكرنا بقوله سبحانه «يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا» [طه: ١٠٩] والتي قلنا فيها: إن للشفاعة شرطين: إذن الله، وأن تكون مرضية أي عبر مقياس الثواب والعقاب وليس بلا أي ميزان ومقياس، ويبدو أن قوله سبحانه هنا «وَقَالَ صَوَاباً» يشير إلى ذلك.
[٣٩] كما تتجلى عظمة الله في ذلك اليوم، يتجلى كذلك الحق، فلا شفاعة بالباطل ولا كذب ولا دجل ولا أحكام جائرة. «ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ» فهو حق لا ريب فيه، ولأنه رهيب بأحداثه التي تنوء بها السماوات والأرض فكيف بهذا الإنسان المسكين؟! لذلك فإنه يستحق أن يسمى بالحق. وفيه لا ينفع إلا الحق، وهو ابتغاء مرضاة الرب «فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا» أي طريقا للعودة إليه. أولسنا قد فُطرنا على الإيمان ثم انحرفت بنا الدنيا وشهواتها؟ تعالوا نعود إلى الطريق الأول، إلى سبيل الله، إلى الرب الودود.
[٤٠] وقبل يوم القيامة عذاب قريب يقع قبل الموت وبعد الموت، فإذا مات ابن آدم
[١] عن الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٠٩، تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ١٨٧.
[٢] تفصيل هذه الأقوال مذكورة في تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ١٨٦- ١٨٧ فراجع.