من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٨ - إن يوم الفصل كان ميقاتا
هذه الآية تشير إلى أنهم سيعلمون الحق في الآخرة والآية السابقة تشير إلى ما يعلمونه في الدنيا. ويحتمل أن يكون الإتيان بمفهوم واحد للتأكيد.
[٦] أَوَلا يبصرون آيات الله في الخلق فيعرفون حكمته وأنه لم يخلقهم عبثا ولن يتركهم سدى؟ «أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَاداً» أَوَلا تراها كيف ذُلِّلت لمعاشك تذليلا؟ انبسطت عليها طبقة من التراب تستخدمه للسكنى والزراعة، وتسويه لحركتك، ويحتضن أجسادنا بعد الموت، ويستوعب سائر أنشطتنا في الحياة. وإذا أمعنا النظر رأينا أن سائر ما في الأرض هُيِّئَ لحياة الإنسان، ولا نعرف مدى أهمية الأنظمة التي أجراها الرب في الأرض إلا بعد قياسها بسائر الكرات القريبة التي لم نعهد في أي منها أثرا للحياة ولا فرصة للعيش. أَوَليس في كل ذلك دليل على التدبير والحكمة؟ أَوَلا نهتدي بها إلى أن الله لم يخلقنا عبثا؟.
(٧ (ولكي تستقر الأرض وما فيها، ولا تتعرض لأمواج الأعاصير التي تحيط بها، ولا لتناوب المد والجزر الناشئين من جاذبية القمر كما البحر، ولكي تتحصن قشرة الأرض من أخطار الزلازل والبراكين والانهيارات بسبب الغازات التي تتفاعل في نواتها الداخلية، لكل ذلك ولأسباب أخرى عديدة نعرف بعضها ونجهل الكثير جعل الله للأرض وأوتادا هي الجبال «وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً» هذه القمم السامقة، وتلك السفوح المنبسطة، وهذه الشبكة من الصخور التي تتصل ببعضها من فوق الأرض ومن تحتها. إنها تحصن الأرض كما الدروع السابغة. أفلا نبصر آثار القدرة ولمسات الحكمة على الطبيعة من حولنا؟ فسبحان الله وتعالى عن العبث واللغو.
[٨] وإذا عدنا إلى الأنظمة التي تسود حياتنا أبصرنا المزيد من آثار القدرة والحكمة فيها، فهذه سنة الزوجية التي تكشف من جهة مدى حاجتنا إلى بعضنا، كما تعكس من جهة ثانية حسن تدبير الخالق، ودقة تنظيمه «وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً» لو كنا قد خلقنا أنفسنا لكنا جعلناها أكمل وأقوى منها الآن، مثلا ربما لم نوجد فيها حاجة إلى الجنس الآخر أو إلى الطعام والشراب والراحة والسكن وما أشبه. ولو أوجدتنا الصدفة لم نجد
فيها هذا التكامل مما نجده مثلا بين الزوجين، تكاملا في الروح والجسد، في الغرائز والشهوات والحاجات حتى اغتدى كل جنس سكنا للجنس الآخر يجد فيه ما يفتقر إليه، قال سبحانه «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» [الروم: ٢١].
[٩] وبمناسبة الحديث عن الزوجة وعن السكن الذي توفره يذكِّرنا الرب بنعمة النوم الذي هو نوع من السكن، يهيمن على ذرات وجودنا ويقطعها عن التفاعل المجهد مع المحيط، ويبسط على أرجاء الجسد غلالة من الهدوء والراحة «وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً»، ويبدو أن معنى