من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٠ - إن يوم الفصل كان ميقاتا
خلال أشعة الشمس تتغذى النباتات والأحياء وتتكون في الأرض المعادن المختلفة.
«وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً» ويبدو أن المراد من الوهج هو الأشعة حسب الراغب في مفرداته [١]. أفلا نهتدي إلى أسماء ربنا الحسنى من خلال آياته التي ذكَّرنا بها القرآن، فإذا لم نتعرف على قدرة ربنا وحكمته وعلمه وتدبيره من خلال آية الشمس فبماذا نهتدي؟.
لقد سخر الله الشمس لحياة البشر، وأشعل هذه الكرة الملتهبة في الفضاء. إن درجة حرارة الشمس تناهز ستة آلاف درجة فهرنهايت. هذا عن سطحها، أما العمق فإن درجة حرارتها تبلغ الملايين، وهكذا تنفث هذه الكرة اللاهبة أشعة قد تمتد أكثر من مئة ألف كيلومتر وذلك بسبب التفاعلات الذرية التي تلتهم من جرمها في كل ثانية زهاء أربعة ملايين طن] [٢].
وقد جعل الله بين الشمس والأرض هذه المسافة المحدودة لكي تستفيد منها الأرض دون أن تضرَّ بها، ولو كانت المسافة أبعد لتجمدت أو أقرب لاحترقت.
[١٤] وإذا كانت الأرض تتغذى بأشعة الشمس ككل فإن حياة البشر تعتمد عليها أيضا، وأقرب مثل لذلك دورة الماء. أوليست أشعة الشمس التي تشرق على المحيطات هي التي تسبب تصاعد الغيوم عنها، ثم إنها تكوِّن الرياح التي تحملها، ثم تتمخض السحب عن الغيث الذي يرزقنا الله به كل خير؟ «وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً» لماذا سميت السحب معصرات؟ هل لأنها تتراكم على بعضها فتسبب الأمطار، أم لأن نظاما طبيعيًّا يسودها حين هطول المطر بسبب اعتصارها (كما قالوا) أم أن ذلك إشارة إلى حالة نزول الغيث الشبيهة بعصر الثياب؟ كل ذلك محتمل. أما الثجاج فقد قالوا إنه المتتالي في السقوط.
[١٥- ١٦] هكذا يرفع الله مياه البحر بعد تحليتها إلى عنان السماء، ويبسطها في صورة السحب المتراكمة فوق مساحات شاسعة، ثم يسوقها إلى حيث يشاء من الأرض فيسقيها، لكيلا يبقى سهل أو جبل إلا وتشمله بركاتها .. ثم إنها تصفِّي الجو من الأدران والغبار، وتساعد في قتل الجراثيم. أما على الأرض فينبت الله بها ألوانا من المواد الغذائية كالحبوب التي تشكل أهم مصدر للغذاء عند البشر الخضروات ثم الثمار «لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً» أرأيت البساتين والغابات كيف تلتف أشجارها ببعضها؟ إنها من بركات الغيث. إن هذا النظام الذي لا نجد فيه ثغرة أو فراغا، ويمتد من أعماق الفضاء حيث تشع الشمس بوهجها، إلى كف المحيطات حيث تتبخر بفعل الحرارة، وإلى الصحاري المترامية حيث تنبت الأرض زرعا
[١] مفردات غريب القرآن: ص ٥٣٣.
[٢] تفسير الأمثل: ج ١٩، ص ٣٣٥، عن طائفة من الكتب العلمية، نقلًا بتصرف.