من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٥ - ويل يومئذ للمكذبين
ولعل الجواب: أن الإعذار يأتي عندما لا يستجيب الإنسان للإنذار، والإنذار أعم، وربما يكون عند الاستجابة إذا قورن بالإعذار، وقد قيل: لقد أعذر من أنذر، وربما يعود إلى هذا المعنى جملة ما ذكره المفسرون، قال شيخ الطائفة
وقيل: إعذارا من الله، وإنذارا إلى خلقه ما ألقته الملائكة من الذكر إلى أنبيائه، وأضاف: فالعقاب على القبيح بعد الإنذار يوجب العذر في وقوعه، وإن كان بخلاف مراد العبد الذي استحقه]
[١]. وقيل
عذرا يعتذر الله به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة، ونذرا: أي إعلاما بموضوع المخالفة، عن الحسن]
[٢]. وإن أهم ما تلقيه المرسلات ملائكة ورياحا تذكيرها بالآخرة وبأن وعد الله صادق. أَوَليسَت تتلاحق الظواهر الطبيعية في الكائنات فتاتي الرياح مرسلات عاصفات ناشرات فارقات، وتأتي بعدها المواسم الخيرة والسنين المباركة، أو تأتي العواصف الهوج ويأتي من بعدها الدمار؟ أَوَليسَت هذه الظواهر يشهد أولها على آخرها؟ كذلك شواهد العذاب تنذرنا بوعد الله الواقع به، كما شواهد الرحمة تبشرنا بوعد الله الواقع بها.
«إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ» وهذا جواب القسم المتقدم في الآيات السابقة، وهو مدعوم بثلاثة تأكيدات: إن، والحصر في «إِنَّمَا»، واللام في «لَوَاقِعٌ». ومع أن البعض حصر الوعد في القيامة واحتج
بأنه تعالى ذكر عقيب هذه الآيات علامات يوم القيامة]
[٣]، إلا أنني اختار الإطلاق الشامل لكل وعد إلهي، كوعده بنصر المؤمنين ودحر الظلمة، وإحياء الأرض بعد موتها بالمؤمنين، وغلبة دينه ورسله والمؤمنين على الدين كله في آخر الزمان بظهور منقذ البشرية الإمام الحجة المنتظر- عجل الله فرجه- والذي يهدينا إلى هذا التفسير الشامل هو أن القرآن ذو تخوم وآفاق ومطالع، وتفسيره يكون أصح كلما كان أشمل حيث يتم الاقتراب من المعاني الأساسية التي هي أم لتطبيقات وإطلالات متعددة. وقد وجدت من المتقدمين من قال بإطلاق الوعد؛ وهو الكلبي حيث نقل عنه الرازي قوله
المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع]
[٤]. وحيث إن وعد الله بالبعث والحساب والجزاء هو أظهر مصاديق الوعد وأقربها إلى الأذهان كما إلى دلالة السياق فإنه الأظهر تأويلا من أي مصداق آخر.
وإن اطمئنان الإنسان لوعد ربه- وبالذات الآخرة- أمر في غاية الأهمية، باعتباره يبعث روح التسليم لله في كل أبعاد الحياة، ويبعث فاعلية العمل وتقوى الالتزام بشرائعه ومناهجه .. فلو يئس المؤمنون من الانتصار والتغيير لما أكملوا مسيرة الجهاد والإصلاح، ولو كفر الإنسان
[١] التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٤.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٨.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٦٩.
[٤] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ٢٦٩.