من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٨ - إنما نطعمكم لوجه الله
أساور من فضة، ويعلم الله كم هو جمال تلك الأساور التي صنعتها يد القدرة الإلهية وأبدعتها، وكم هو الرونق والجمال الذي تعطيه للابسها حينما يتزين بها.
«وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً» قال في المجمع
أي طاهرا من الأقذاء، لم تدنسها الأيدي، ولم تدسها الأرجل كخمر الدنيا، وقيل: طهورا لا يصير بولا نجسا، ولكنه يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك، وإن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل ما شاء سقي شرابا طهورا فيطهر بطنه، ويصير ما أكل رشحا يخرج من جلده، أطيب ريحا من المسك الأذفر، ويضمر بطنه، وتعود شهوته. رواه أبو قلابة. وقيل
: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ إِذْ لَا طَاهِرَ مِنْ تَدَنُّسٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَكْوَانِ إِلَّا اللَّه]
عن الصادق عليه السلام]
[١]. وقد يكون هو شراب نهر الكوثر الذي يعطيه الله لأهل الجنة بيد رسوله صلى الله عليه واله ووليه أمير المؤمنين عليه السلام قبل دخولهم إلى الجنة فيطهرهم من كل عيب ودنس. وقال الرازي
وإنه المطهر] [٢].
ويبدو لي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسقي الأبرار ذلك الشراب بصورة غيبية، لا عن طريق الولدان، إكراما لهم منه عز وجل. ولكن ما هذا الشراب الطهور الذي يسقيهم إياه الرب بيده؟ هل شراب سائل كالماء والخمر والعسل واللبن، أم هو شراب الود والقرب والحب والنجوى؟ لأن الأدب القرآني أدب تصويري يهدينا من ظاهر الأحداث إلى غيب الحقائق فإن لنا أن نتصور أن الشراب الرباني ليس مجرد شراب مادي، وحتى لو كان كذلك فإنه حين يكون الساقي هو الرب الباقي فإنه يتحول من نعمة مادية إلى درجة معنوية دونها كل درجة، فأي كرامة أعظم من إقامة صلة قريبة بين العبد هذا المخلوق المتضائل المتناهي في الضعف والعجز وبين الرب العظيم المتعال، وأي نشاط يسري في نفس العبد هذا، وأي جمال يغمر فؤاده، وأي سكينة تغشى نفسه، وأي عزة تحيط كيانه .. سبحانه الله! لا علم لنا، ولا ندري ما نقول. إن مثل الإمام زين العابدين عليه السلام حري بوصف تلك اللحظات التي يقترب العبد فيها من الرب حين يقول
فَقَدِ انْقَطَعَتْ إِلَيْكَ هِمَّتِي، وَانْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي، فَأَنْتَ لَا غَيْرُكَ مُرَادِي، وَلَكَ لَا لِسِوَاكَ سَهَرِي وَ سُهَادِي، وَلِقَاؤُكَ قُرَّةُ عَيْنِي، وَوَصْلُكَ مُنَى نَفْسِي، وَإِلَيْكَ شَوْقِي، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهِي، وَإِلَى هَوَاكَ صَبَابَتِي، وَرِضَاكَ بُغْيَتِي، وَرُؤْيَتُكَ حَاجَتِي، وَجِوَارُكَ طَلَبِي، وَقُرْبُكَ غَايَةُ سُؤْلِي، وَفِي مُنَاجَاتِكَ روْحِي
وَرَاحَتِي، وَعِنْدَكَ دَوَاءُ عِلَّتِي، وَشِفَاءُ غُلَّتِي، وَبَرْدُ لَوْعَتِي، فَكُنْ أَنِيسِي فِي وَحْشَتِي ... وَلَا تَقْطَعْنِي عَنْكَ، وَلَا تُبْعِدْنِي مِنْكَ، يَا نَعِيمِي وَجَنَّتِي، وَيَا دُنْيَايَ وَآخِرَتِي]
[٣]. وفي مناجاة كريمة أخرى يقول عليه السلام
... وَغُلَّتِي لَا يُبَرِّدُهَا إِلَّا وَصْلُكَ، وَلَوْعَتِي لَا يُطْفِئُهَا
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٢٢٣.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٥٤.
[٣] الصحيفة السجادية: مناجاة المريدين.