من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٧ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
«وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» الانشقاق: ١٦- ١٩]، وقوله سبحانه «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» [التكوير ٢٠- ١٥:]، وقوله جل شأنه «فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ» [الحاقة: ٣٨- ٤٠]، وأيضا «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» المعارج: ٤٠- ٤١]، وقوله عزّ من قائل «لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ» [البلد: ١- ٤].
وذلك أن في القسم المنفيهنا- مؤشرين
الأول: أن الإشارة للقسم ولو نفيا يفيد معنى القسم أي التأكيد والتقرير للحقيقة (المقسم لأجله) وذلك لعدم الحاجة للقسم فلا أقسم لشدة الوضوح. وهنا في نهاية المطاف نلتقي مع الرأي السائد (أي معنى القسم) وإن اختلفنا في المسلك.
الثاني: في أهمية المقسم به، والمناسبة بينه وبين المقسم لأجله.
أما عن النفس اللوامة فهناك أقوال كثيرة، فعن قتادة
إنها النفس) الفاجرة يقسم بها]
[١]، وعن ابن عباس قال
المذمومة]
[٢]، وهما رأيان بعيدان جدًّا تخالفهما النصوص التي جرى استخدام الكلمة فيها على وجه الإيجاب، كما يخالفهما المعنى اللغوي للوامة، وعن مجاهد
تندم على ما فات وتلوم عليه]
[٣]، وعن الحسن قال
إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه، ... وإن الفاجر يمضي قُدُمًا لا يعاتب نفسه]
[٤]. والذي أختاره وتدلل عليه النصوص أن في الإنسان نفسين
الأولى: تختار الباطل والفساد وهي الأمارة.
الثانية: تدعو إلى الحق والصلاح وهي اللوامة، ونعبر عنها في الأدب الحديث بالضمير والوجدان، وهذه النفس تستيقظ داخل الإنسان لتعاتبه على عدم العمل بالحق، وتنهره عن اقتحام الباطل.
وإنما عَبَّر القرآن عنها بصيغة المبالغة (فَعَّالة) لأنها كثيرة الملامة لصاحبها والنصيحة إليه، فإذا ما استجاب لها نمت وأخذت موقعها ودورها الإيجابي في حياته، وإذا أدمن الصد عن
[١] الدر المنثور: ج ٦ ص ٢٨٧.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٨٧.
[٣] المصدر السابق: ص ٢٨٧.
[٤] المصدر السابق: ص ٢٨٧.