من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٦ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
«لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)».
بينات من الآيات
[٢- ١] حتى يتعمق الإيمان عند الإنسان ويتحمل مسؤولياته في الحياة لا بد أن يستثار فيه حافزان: وعي الآخرة بما تعنيه من بعث وجزاء، ثم نفسه اللوامة التي تثير في داخله النقد الذاتي بما يعني ردعه عن اقتحام الخطيئة، فالمسؤولية إذن هي الجذر الأصيل الذي تلتقي فيه فكرة القيامة وحقيقة النفس اللوامة، من هنا يذكرنا القرآن بهما جنبا إلى جنب في سياق علاجه لموضوعها.
«لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» وإن لكلمة «الْقِيَامَةِ» تعبيرا عن الآخرة هنا إيحاء نفسيًّا خاصًّا، يُذكِّر الإنسان بالبعث في واحد من أعظم مشاهد تلك الحياة حيث القيام من وهدة القبر للحساب والجزاء والقيام أظهر تجليات الحياة إذ لا يقوم الشيء حتى يستوي تماما ويكتمل. أما في القسم المنفي فإن أكثر المفسرين على أن «لا» فى قوله تعالى «وَلا أُقْسِمُ» زائدة، و أن التقدير «أُقْسِمُ». بيد أنهم لم يذكروا لهذه الزيادة وجها معقولا. والذي يقطع التأوُّل المُتَكَلَّف؛ أن الزيادة في الدلالة لا معنى لها في كلام الحكيم. ومع أن النظام النحوي يفترض الزيادة لكنها زيادة نحوية لا دلالية، بل إن هذا الافتراض إنما يكون مع تباين النحو الإعرابي عن النحو الدلالي. ف- «لا» هذه على حالها بلا تكلف نافية، وتأتي في معرض نفي القسم وذلك لأحد أمرين
الأول: إجلالا لقدر المُقْسَم به، أن يُقْسَم به على أمور واضحة بَيِّنة، لا تحتاج إلى سند يسندها من قسم أو نحوه.
الثاني: لأن المقسم لأجله أوضح من أن يحتاج إلى قسم، فالإجلال ل-) المُقْسَم لأجله (بخلاف الاحتمال الأول.
والاحتمال الثاني أوجه وأقوى، وذلك لأن (المقسم لأجله) ذو شأن يليق القسم لأجله، وسيلاحظ المتتبع ذلك، فلاحظ سورة الواقعة إذ المقسم لأجله أعظم شأنا من مورد المقسم به «فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» [الواقعة: ٧٥- ٧٧]، ومن ذلك قوله تعالى «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)»