من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٢ - كل نفس بما كسبت رهينة
بَيْنَكَ وبَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ] [١].
ويعتبر الإسلام التكذيب بالآخرة وجزائها من أهم العوامل التي تدعوا البشر إلى التحلل من المسؤولية، والإفراط في الانحراف والذنوب، والتعبير القرآني الوارد في الآية دقيق جدًّا إذ يقول الله «نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ» وكأن التكذيب بالآخرة وسيلة إلى كل تكذيب. بلى؛ إن خشية العقاب تردع الإنسان من مخالفة القوانين، ومن لا يخشى عقاب ربه كيف يلتزم بشرائعه؟، من هنا يؤكد العلماء على ضرورة القوانين الجزائية، لأنها ضرورة ملحة في تنظيم علاقات المجتمع. وقد أطلق الله على يوم القيامة أسماء كثيرة قد تتفق في حيثياتها الأولية، ولكنها بلا شك تختلف في إيحاءاتها النفسية والمعنوية، بحيث يمكن لنا القطع بأن التعبير ب- (يوم الدين) في هذا السياق أصلح من أي تعبير آخر، ونكتشف ذلك في المفردات ضمن السياق الذي ترد فيه.
ولأن سياق سورة المدثر عن تبليغ الرسالة وتكذيب الكفار ومرضى القلوب بحقائق الدين كان من الحكمة التأكيد على (يوم الدين) بالذات، لبيان أن الدين هو المحور والميزان في الآخرة، وأن حقائقه التي يُكَذِّب بها أعداء الرسالة سوف يأتي اليوم الذي يجليها، وبالتالي التأكيد على أن التدين ضرورة مصيرية لكل إنسان.
(٥٣- ٤٨) ويبين لنا القرآن صفة خامسة لأصحاب سقر هي في الحقيقة عامل رئيسي من عوامل الجريمة والمعصية، وهو الفهم الخاطئ لمفهوم الشفاعة الذي تنادي به كل رسالات الله، حيث التمنيات التي تُحوِّلها إلى مبرر لممارسة الخطايا.
وإذا كان هذا الفهم تبلور لدى اليهود في نظرية البنوة وشعب الله المختار، ولدى النصارى في نظرية الفداء، فإن بعض المسلمين أيضا انزلق إلى مثل هذه المفاهيم والتمنيات، ولكن بقوالب وتعابير مختلفة، فقال البعض: إن المسلمين خير أمة أخرجت للناس، وإن الله لا يعذب أمة فيها حبيبه النبي محمد صلى الله عليه واله،
وقال فريق: إن الأولياء يشفعون له الخطايا من دون قيد وشرط، والقرآن ينسف كل هذه التمنيات الباطلة حتى لا يدع مجالا للإنسان يفر عبره من تحمل المسؤولية، وقد حَذَّر أئمة الهدى من هذا الفهم الخاطئ للشفاعة، قال أبو بصير
دَخَلْتُ عَلَى حُمَيْدَةَ أُعَزِّيهَا بِأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام فَبَكَتْ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْ شَهِدْتَهُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وقَدْ قَبَضَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام: ادْعُوا لِي قَرَابَتِي ومَنْ يَطُفُّ بِي، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ قَالَعليه السلام: إِنَّ شَفَاعَتَنَا لَنْ تَنَالَ مُسْتَخِفّاً بِالصَّلَاةِ][٢].
[١] نهج البلاغة: كتاب: ٣١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٩، ص ٢٣٦.