من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٦ - ولربك فاصبر
الخامسة: الصبر والاستقامة في طريق الحق
«وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ»، وهذه الآية تكشف لنا طبيعة المسيرة الرسالية بأنها مليئة بالضغوط والمشاكل، لأنها الطريق إلى الجنة التي حُفَّت بالمكاره، ويجب على كل داعية إلى الله وكل مجاهد أن يعي هذه الحقيقة حين اختار الانتماء إلى حزب الله والعمل في سبيله، ومن ثم يُعِدُّ نفسه لمواجهة كل التحديات والمكاره بسلاح الصبر والاستقامة.
إن الذي يتصور طريق الحق خاليا من الأشواك يُخطئ فهم الحياة وسنن التغيير. أَوَلستَ تريد بناء كيان الحق على أنقاض الباطل؟ بلى؛ فأنت إذن في صراع جذري مع الباطل بكل أثقاله وامتداداته .. مع النظام الفاسد، والطاغوت المتسلط، مع الثقافة التبريرية، مع الإعلام التخديري، مع التربية الفاسدة، مع العلاقات المتوترة بين الناس .. وبكلمة: مع تخلف المجتمع الفاسد الذي تسعى لعلاجه، فلا بد أن تتوقع ردات الفعل المضادة، والضغوط والتحديات المتوالية والمركزة في طريقك.
وحيث يحتدم الصراع ويصعد مرحلة بعد مرحلة تتضاعف التحديات والضغوط، الأمر الذي يضع الرسالي (فردا وحركة) أمام خيارين: الهزيمة أو الصمود، وخياره الأصيل هو الاستقامة، فيجب إذن أن يصبر لربه، والذي يعني عدة أمور
الأول: أن يجعل صبره خالصا لوجه الله، لا يريد إلا رضوانه وثوابه.
الثاني: أن يستقيم على الحق حتى لقاء ربه عز وجل، كما قال الله «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» [الحجر: ٩٩]، فالصبر إذن ليس له حد كما يزعم البعض الذين يبررون هزيمتهم وتراجعهم، بل يجب أن يصبر المؤمن ويصبر حتى يلقى ربه.
الثالث: أن يصبر لحكم ربه ويُسَلِّم لقضائه بعد أن يقوم بما ينبغي عمله ثم يترك الأمر لله يُقدِّر فيه ما يشاء، وهذا معنى التسليم لله والتفويض إليه، وهو درجة عالية من اليقين تُضَمِّد جراحات الداعية، وتطمئنه بأن الله ليس بغافل عما يلاقيه، وهو رقيب على كل شيء، وسوف ينتقم في المستقبل من أعدائه. وتتضمن الآية تحذيرا موجَّها إلى الكفار والمعاندين بالانتقام، وهذا ما يفسر العلاقة بينها وبين الآيات القادمة.
[١٠- ٨] «فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ» في اللغة
الناقور جمعه نواقير، وهو العود أو البوق ينفخ فيه]
، والنقر هنا بمعنى النفخ، وكانت هذه الآلة تستخدم قديما لجمع الناس والجيوش في المناسبات، والذي يقصد بالناقور في هذه الآية الصور، الذي ينفخ فيه إسرافيل مرة فيصعق من