من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٧ - قم الليل إلا قليلا
في النهار فراغ تقضيه]
[١]. وجدير أن ننقل هنا ما قاله العلامة الطبرسي
إن مذاهبك في النهار ومشاغلك كثيرة، فإنك تحتاج فيه إلى تبليغ الرسالة، ودعوة الخلق، وتعليم الفرائض والسنن، وإصلاح المعيشة لنفسك وعيالك، وفي الليل يفرغ للتذكرة والقراءة، فاجعل ناشئة الليل لعبادتك، لتأخذ بحظك من خير الدنيا والآخرة، وفي هذا دلالة على أنه لا عذر لأحد في ترك صلاة الليل لأجل التعليم والتعلم، لأن النبي صلى الله عليه واله كان يحتاج إلى التعليم أكثر مما يحتاج الواحد منا، ثم لم يرض أن يترك حظه من قيام الليل]
[٢]، فلا يصح أن يتعلل المؤمن بشيء عن قيامه، ففي النهار فرصة كافية للمهام الأخرى، أما الليل فإنه بالدرجة الأولى موضوع للقيام.
(٨) في حديث معروف
إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُحْدِثَ رَبَّهُ فَلْيَقْرَأْ الْقُرْآنَ]
[٣] وهكذا المؤمنون في قيامهم الليلي تراهم يبادلون ربهم الحديث، فمرة يتلون الكتاب وأخرى يذكرون ربهم بالدعاء، كما أمرهم الله فقال «وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ» وذكر الله هو مخ العبادة، بل هو الهدف الرئيسي في الإسلام، لأن نسيانه تعالى سبب كل انحراف في حياة الإنسان. وقال «اسْمَ رَبِّكَ» لأن المخلوق عاجز عن معرفة الذات والاتصال بها مباشرة، فجعل الله أسماءه ذرائع العباد ووسائلهم إليه، وذكر أسماء الله ليس بتلفظ حرفها وحسب، بل بالإيمان بها ومعرفته من خلالها، إذ لكل اسم منها انعكاس في خلقه.
ولقوله «اسْمَ» بالإفراد دلالة على الإطلاق الذي يفيده استخدام أي اسم من أسمائه الحسنى، وهو الأقرب، لأن ذكر الله يتم بذكر أيٍّ من أسمائه، كما قال عز وجل «قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى» [الإسراء: ١١٠].
والذكر الحقيقي ليس مجرد التلفظ بأسماء الله، بل هو إضافة إلى ذلك تعميق الصلة به، في آفاق توحيده، والانقطاع إليه، ولذلك يردف الله مع الأمر بالذكر أمرا بالتبتل.
«وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام
وأَمَّا التَّبَتُّلُ فَإِيمَاءٌ بِإِصْبَعِكَ السَّبَّابَةِ]
[٤]، وروى زرارة وحمران عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله عليهما السلام
التَّبَتُّلَ هُنَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ]
[٥]، وعن الإمام الكاظم عليه السلام قال
التَّبَتُّلُ أَنْ تُقَلِّبَ كَفَّيْكَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا دَعَوْتَ]
[٦]، وقد أشار جملة من المفسرين إلى أن المعنى هو الإخلاص في الدعاء، وما
[١] التبيان للطوسي: ج ١٠، ص ١٦٣.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٠.
[٣] كنز العمال: ج ١، ح ٢٢٥٧، ص ٥١٠.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ٤٨٠.
[٥] وسائل الشيعة: ج ٦، ص ٢٨٣.
[٦] وسائل الشيعة: ج ٧، ص ٥٠.