من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - قم الليل إلا قليلا
ثبات قدم، لأن النهار يضطرب فيه الناس، ويتقلبون فيه للمعاش]
[١]. ولا ريب أن الاستقامة على طريق الرسالة أمر مستصعب بحاجة إلى الإرادة الصلبة والروح العالية، حتى يواجه الإنسان بهما تحديات الاستقامة على الحق .. وقيام الليل بقراءة القرآن والتدبر فيه والدعاء والاستغفار يعطي إرادة الثبات وروح التحمل وعند هذه الآية ينبغي أن ندرس حياة الأجيال الأولى من المسلمين الذين صنعوا المنجزات العظيمة في التاريخ، وغيروا مسيرة الإنسانية، فإنهم لا ريب كانوا يستلهمون من قيامهم الليل وما إلى ذلك همتهم العالية، وإرادتهم الصلبة، فكانوا رهبان الليل وفرسان النهار. كما أن ناشئة الليل ثقيلة على النفوس لأن القائم لأدائها يواجه تحدي النفس التي يغالبها النعاس، وتحن إلى الفرار من المسؤولية، وتفضل الراحة الجسدية على لقاء ربها الجبار، وتواجه كذلك تحدي الشيطان الذي يوسوس إليها بالتسويف، لها بالنوم بعذر أو آخر، وهكذا يكون قيام الليل منطلقا لإصلاح جذري في النفس والمجتمع، فهو إذن عملية صعبة، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله تعالى «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ» [البقرة: ٤٥].
وهكذا رأى بعضهم أن المراد من شدة الوطء صعوبة صلاة الليل ذاتها، قيل أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، وهو من قولك: اشتدت على القوم وطأة السلطان .. فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على قدر شدة الوطأة وثقلها، ونظير قوله صلى الله عليه واله
أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا]
[٢]، وقيام الليل حمز (صعب) لأنه يخلق توازن الشخصية عند الإنسان لتكون قائمة على أسس رشيدة على قيم الوحي وهدى العقل وتجارب البشر، فإذا برهبان الليل طاهرة ألسنتهم عن الغيبة والشتم وسائر الأخطاء والذنوب المنطقية التي من بينها شهادة الزور، لأن قيامهم بالليل يزيل من قلوبهم العُقَد، ويزرع فيها التقوى، كما يجعلهم يفكرون في كلامهم قبل النطق به، ويزنونه بميزان الحق والصواب، الأمر الذي يجعلهم يصيبون
الحق حين يتكلمون، فإذا سكتوا تفكروا، وإذا نطقوا تفجرت الحكمة من جوانبهم، كما وصفهم سيدهم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله
مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ] [٣].
«وَأَقْوَمُ قِيلًا» أي إنهم أصوب للحق بجهاته المختلفة من غيرهم على الإطلاق، فهم الأقوم (يعني الأفضل)، قال الفخر الرازي مفسرا الآية: أحسن لفظا، وقال أنس
أصوب وأهيأ وأَحَدُّ]
[٤]، وهذا أمر طبيعي لأن القائم بالليل يتصل بقول الله ووحيه (القرآن) ويؤسس
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٧٥.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٧٦.
[٣] نهج البلاغة: خطبة: ١٨٣.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٧٦.