من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
وتهدينا الآية إلى أمرين
الأول: إذا كان ثمة سبيل للمخلوقين يطلعون بسببه على الغيب فإنه ليس الجن ولا غيرهم لأنهم لا يعلمونه، إنما ينبغي لهم الاستعاذة بالله وطلبه عند رسله وأوصيائه المرضيين عنده.
الثاني: خطأ ما زعمه البعض من أن أحدا لا يعلم الغيب البتة، فإنه يعلمه من ارتضاه الله لغيبه وبقدر ما يُعلِّمه الله بصريح النص. قال الإمام علي عليه السلام وهو يتحدث عن الناس
وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ بِأَنْ خَاطَبَهُمْ خِطَاباً يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ وَتَوَحُّدِهِ وَبِأَنَّ لَهُ أَوْلِيَاءَ تَجْرِي أَفْعَالُهُمْ وَأَحْكَامُهُمْ مَجْرَى فِعْلِهِ، فَهُمُ الْعِبَادُ الْمُكَرَّمُونَ الَّذِين
«لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» [الأنبياء: ٢٧]
هُمُ الَّذِين
«وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» [المجادلة: ٢٢]
وَعَرَّفَ الْخَلْقَ اقْتِدَارَهُمْ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ بِقَوْلِه
«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ»
وَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي يَسْأَلُ الْعِبَادَ عَنْهُ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْعَمَ بِهِمْ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ.
قَالَ السَّائِلُ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْحُجَجُ؟ قَالَ عليه السلام
هُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله وَمَنْ حَلَّ مَحَلَّهُ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللهِ الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللهُ بِنَفْسِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ مِنْ طَاعَتِهِمْ مِثْلَ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا (من الطاعة) لِنَفْسِه] [١].
ويبين الله الهدف من اطلاع رسله المرضيين على الغيب، وسلك الرُّصُد من بين أيديهم ومن خلفهم، ألا وهو كونه مما يقتضي تبليغ الرسالة ويخدم مصلحتها «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ». والآية تهدينا إلى أن الرسالة جزء من ذلك الغيب الذي يُظهر عليه من يرسلهم بها، وأن اطلاعهم على بعض الغيب لدليل على كونهم رسل رب العالمين، مما يُقيم الحجة على العقلاء ويفرض اتباعهم عليهم، فذلك إذن مما يعينهم في إبلاغ الرسالة من جهة، وإقامة الحجة الداعية إلى تبليغها على الأنبياء أنفسهم بحيث لا يبقى لهم عذر لو قصَّروا حاشاهم.
«وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ» إحاطة عامة شاملة «وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً» أي إحاطة مفصلة بالأرقام والدقائق، وحيث يفعل الله شيئا فإن فعله يرتكز على العلم والحكمة، وإنما يطلع بعض رسله على الغيب لإحاطته بهم ومعرفته بصلاح ذلك وضرورته.
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠، ص ١١٨.