من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٧ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
قال: فَالْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟ قَالَ عليه السلام
قَدْ تَكَلَّمَ الْقَوْمُ فِيهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ،
قَالَ: دَعْنِي مِمَّا تَكَلَّمُوا بِهِ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ؟ قَالَ عليه السلام
اعْفُنِي عَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،
قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِالله لَمَّا أَخْبَرْتَ بِمَا عِنْدَكَ فِيهِ فَقَالَ عليه السلام
أَمَّا إِذْ أَقْسَمْتَ عَلَيَّ بِالله إِنِّي أَقُولُ: إِنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ السُّنَّةَ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْصِلِ أُصُولِ الْأَصَابِعِ فَيُتْرَكُ الْكَفُّ،
قَالَ: لِمَ؟.
قَالَ عليه السلام
لِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله: السُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: الْوَجْهِ والْيَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، فَإِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ الْكُرْسُوعِ أَوِ الْمِرْفَقِ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا، وقَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى
«وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ»
يَعْنِي بِهِ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ السَّبْعَةَ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا
«فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً»
ومَا كَانَ لِله لَمْ يُقْطَعْ. قَالَ فَأَعْجَبَ الْمُعْتَصِمَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ مَفْصِلِ الْأَصَابِعِ دُونَ الْكَفِّ. قال ابن أبي داود: قامت قيامتي، وتمنيت أني لم أك حيا] [١].
ونستفيد من الآية بصيرة عملية وهي حرمة جعل المساجد محلا لدعوة غير الله، واستخدامها بغير غرض العبادة له عز وجل، كالدعوات الانتخابية، الحزبية وما أشبه. ومن الفوارق الأساسية بين دعوة أولياء الله (رسله وأنبيائه ومن يسير على نهجهم) وبين الدعوات البشرية كالكهانة والسحر والفلسفات المنحرفة أنهم لا يبحثون عن التيار الاجتماعي ليسبحوا معه، إنما يهمهم العمل بالحق مهما كان ذلك مخالفا لتوجهات المجتمع، في حين نجد الكهنة والسحرة ومن أشبه يسيرون في ركاب السلاطين، وأصحاب النفوذ في المجتمع، ويخشون من الاصطدام مع الواقع. فالرساليون لا يعرفون المداهنة والمساومة، بل ينهضون لتغيير الواقع الفاسد، ويصطدمون مع كل قيمة منحرفة بغض النظر عن العواقب مادام الأمر يرضي الله، فإذا بواحدهم كإبراهيم- بل هكذا كل واحد منهم- يقف أمة لوحده في قبالة مجتمع بكامله وقد تظاهر عليه وتلبد كما تتلبد الغيوم بعضها مع البعض الآخر.
«وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ» أي يدعو ربه نابذا كل الأفكار والقيم الشركية الضالة «كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» قال الشيخ الطوسي
جماعات متكاتفات بعضها فوق بعض، ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية]
[٢]. ولعل في الآية إشارة من بعيد إلى تظاهر المشركين من الإنس ومن الجن مع بعضهم ضد داعية الحق، ولكن ذلك ليس بالذي يثني الأنبياء والرسل ولا بالذي يفلُّ عزائمهم وعقائدهم
الراسخة، فقد وقف نبي الإسلام صلى الله عليه واله وكما أمره الله متحديا جبهة الضلال المتلبدة ضده، ومعلنا بأنه لن يغيِّر مسيرته، ولن يتنازل عن قيمه وأهدافه
[١] تفسير العياشي: ج ١، ص ٣١٩، بحار الأنوار: ج ٥٠، ص ٥.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ١٥٥.