من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٥ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
أنهم أنصاف آلهة نتيجة تقديس رجال الإنس لهم واستعاذتهم بهم. و الكهنة والسحرة بدورهم كانوا يضللون من حولهم من الناس، قال الإمام الباقر عليه السلام
كَانَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ إِلَى الْكَاهِنِ الَّذِي يُوحِي إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: قُلْ لِشَيْطَانِكَ فُلَانٍ قَدْ عَاذَ بِك) [١]
. والعياذ الاعتصام وهو
الامتناع بالشيء من لحاق الشر) [٢]
، وللاستعاذة هنا أحد معنيين
الأول: أنهم كانوا يعتقدون بأن الجن قوى شر في الطبيعة، وبالتالي يجب إرضاؤها للتخلص من شرها وأذاها.
الثاني: أنهم كانوا يعتمدون على الجن في مواجهة الأخطار والمشاكل، أو في مقاومة القوى التي يخشونها، ظنا منهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم .. فبدل أن يفكروا في حل مشاكلهم من خلال العقل والسعي تراهم يلجؤون للخرافة والأساطير، وبدل أن يتقربوا إلى الله عز وجل بالطاعة تراهم يعوذون بالجن، ظنا أنهم قادرون على صد غضب الله أو التأثير على أمره سبحانه وتعالى. وهكذا عوض أن يشحذوا إرادتهم ويُعْمِلوا فكرهم لمواجهة العدو عسكريًّا يتوسلون بهذه الثقافة الميتة والمضللة .. فلا يصلون إلا إلى الشر والرهق.
ومن وجوه التلاقي بين الإنس والجن- بالإضافة إلى التعاون على الباطل- تشابه وجوه الانحراف والضلال في الأفكار والثقافات، ومن بين ذلك الكفر بالآخرة نتيجةً للثقافة القائمة على الظنون والتصورات، لا على الوعي بالواقع والمنهجية العلمية المعتمدة على الدليل والحجة.
«وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً»، في المجمع
أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى أو عيسى) [٣]
، وفي التفسير الكبير
ويحتمل أن يكون المراد أنه لن يبعث أحدا للرسالة على ما هو مذهب البراهمة) [٤]
، ومع إمكانية صحة هذا الرأي إلا أن الأقرب بعث الناس للحساب والجزاء، وهذا
هو جذر كل انحراف وفرار من إطار المسؤولية. والآية تنسف الاعتقاد الواهي بأن الجن آلهة خلقوا ذاتيًّا ولا يموتون، كلا .. إنهم يموتون- كما يموت بنو آدم- ويبعثون كما يبعث البشر. بلى، وبعضهم يشك في البعث مما يدعوه إلى الشرك والمزيد من الزيغ.
[١] بحار الأنوار: ج ٦٠، ص ٩٨.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ١٤٨.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٦٧.
[٤] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠ ص ١٥٧.