من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - فاصبر صبرا جميلا
«سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ»] [١].
«سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ» وسؤال السائل يكشف ليس عن شك في وعد الله عز وجل وحسب، بل يكشف أيضا حالة من الاستهزاء والتحدي دعته إليهما الثقافة الجاهلية التي جاءت الرسالة لتحرير الإنسان منها، كما دعته إليهما الضغائن الدفينة على الرسول والرسالة.
والآية الكريمة- كسائر آيات القرآن- أوسع من حادثة تاريخية، أو مصداق واحد بذاته، بل هي شاملة لكل موقف استهزاء بالحق، وتكذيب به. ولا يصف رب العزة عظمة العذاب ومدى هوله، بل يؤكد واقعيته فيقول «وَاقِعٍ»، وذلك يهدينا إلى حقيقة فطرية وعقلية لا يتردد في قبولها أحد وهي أن جهل الإنسان بالحقائق القائمة في الواقع، أو تجاهله لها (تكذيبه) لا يغير من أمرها شيئا. أترى أن عقيدة المثاليين- الذين زعموا أن الوجود خيال يتراءى للإنسان كالسراب- أعدمت الوجود أو غيرت من الواقع شيئا؟، هل ينفي عدم رؤية الأعمى لما حوله وجوده؟ كلا ..
وإذا قلنا إن كلمة «وَاقِعٍ» تدل على الماضي فإنها تأتي هنا للتأكيد من حيث إنه حتمي لا شك فيه ولا تردد في وقوعه، لأن الله قد قدره وقضاه تقديرا حتما وقضاء مبرما.
ويبدو أن السؤال لم يكن سؤال مستفهم، بل سؤال مكذب مستهزئ، ولهذا عُدِّيَ الفعل بالباء فأعطى معنى التكذيب، فكأنه قال: سأل سائل مكذب بعذاب واقع. وهكذا أوحى النص بأن الدافع إلى السؤال لم يكن المعرفة وإنما التشكيك فيه.
وإذ يقع عذاب الله فإنه- وإن كان- يبدِّل وجه الكون وعلاقات أجزائه ببعضها فتكون السماء كالمهل والجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما، إلا أنه لا يخرج عن إطار حكمة الله وإرادته إلى حالة الفوضى، وإنما يكون بقدر، ولا يصيب إلا من يشاء الله، فإذا بك تراه وقد حان حينه لا يقع إلا على الكافرين، الذين لا يجدون ما يدفعونه به عن أنفسهم «لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ» يحجزه عنهم ويدفعه عن
ساحتهم، وما عسى أن تبلغ قدرة أحد حتى يكون قادرا على دفع عذاب يصيِّر السماء كالمهل والجبال كالعهن، ويقطع الروابط الحميمة بين الأخلاء والأنساب لهوله وشدته! والإنسان هناك لا يفكر إلا في خلاص نفسه، فلا يسأل عن غيره، فكيف السعي لدفع العذاب عنه؟! بلى؛ يستطيع الإنسان دفع العذاب عن نفسه يومئذ بفضل الله ورحمته، وبعمله الصالح، ولم يترك الكافرون بينهم وبين الله صلة كي يرحمهم، بل سدوا عن أنفسهم
[١] بحار الأنوار: ج ٣٥، ص ٣٢٣. ذكره أبو عبيدة والثعلبي والنقاش وسفيان بن عيينة، وأشار إليه الرازي والنيسابوري، ونقل القرطبي نص الرواية في تفسيره والحسكاني في شواهد التنزيل.