من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٨ - وإنه لحق اليقين
الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وهُوَ مُتَّكِئٌ، وإِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله يَا وَلِيَّ الله كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي] [١].
[٢٤] وهنالك يُدعى المؤمنون إلى مأدبة الله، والمشتملة على ما لذَّ وطاب من أنواع الأكل والشراب التي لا يعلمها إلا هو عز وجل «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً» لا ينغصه عيب فيه ولا سبب خارجه، وإنما يبعث الهناء بمنظره (هو وآنيته ومائدته) وبطعمه اللذيذ وفوائده الجمة. وفي الدعوة بفعل الأمر «كُلُوا وَاشْرَبُوا» إشارة إلى فكرتين
الأولى: الإباحة، فكل شيء هناك مأكول ومشروب حلال مباح للمؤمنين لا حرام فيه.
الثانية: أن الله يعطي أصحاب الجنة القدرة الواسعة على الاستلذاذ بنعيمها فهم يستطيعون الأكل والشرب كلما شاؤوا لا يمنعهم مانع، قال رسول الله صلى الله عليه واله
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْب] [٢].
ولأن منهج الرسالة يهدف إصلاح الإنسان فإن القرآن لا يذكر قصص التاريخ ولا مشاهد القيامة إلا ويوجد رابطا بينه وبينها، ليحدد لنا الموقف السليم تجاه ما يذكره، كما سبق وأن قلنا: بأن القرآن يريدنا ألَّا نعيش اللحظة الراهنة فقط، إنما نعيش الحاضر على ضوء الماضي والمستقبل .. كذلك يبين الوحي أن نعيم الجنة نتيجة للعمل الصالح في الدنيا، «بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ»، وبهذا ينسف الأماني والظنون الكاذبة، ويضع الإنسان أمام المسؤولية. وقد ذهب أكثر المفسرين إلى القول بأن «أَسْلَفْتُمْ» تعني الصيام، واستشهد الدر المنثور بقول الله في حديث قدسي
يَا أَوْلِيَائِي! طَالمَا نَظَرْتُ إِلَيْكُمْ في الدُّنْيَا وَقَدْ قَلُصَتْ شِفَاهُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ، وَغَارَتْ أَعْيُنُكُمْ، وَجَفَّتْ بُطُونُكُمْ، كُوْنُوا اليَوْمَ في نَعِيْمِكُمْ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيْئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ في الأَيَّامِ الخَالِيَةِ]
[٣]، والتفت الفخر الرازي إلى معنى لطيف للكلمة فقال: والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض، ومنه يقال: أسلف في كذا إذا قدَّم فيه ماله [٤].
والذي أراه أن الصيام أحد مفردات الإسلاف، أما الكلمة فهي عامة تتسع لكل الصالحات كالإنفاق والجهاد والصلاة و .. التي هي ثمن الجنة بعد فضل الله و
شَتَّانَ مَا بَيْنَ
[١] الكافي: ج ٨، ص ٩٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١٤٩
[٣] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٦٢.
[٤] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١١٣.