من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - وتعيها أذن واعية
الجماعي للبشرية بالطوفان لدرسا يجب أن يبقى نصب أعين الناجين، يعمق فيهم الخشية من ربهم، ويحيي ضمائرهم، ويستثير عقولهم باتجاه الحق أبد الدهر. «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» أي تعي التذكرة. ومن وصل هذه النهاية بالشطر السابق للآية نهتدي إلى أن المسيرة الطبيعية للبشرية هي مسيرة التقدم، حيث تتراكم خبراتها وتجاربها عبر الزمن، مما يزيد وعيها ومعارفها وإيمانها، هذا إذا كانت من الناحية المعنوية سليمة وذات أذن واعية، أما إذا لم تصل بنفسها إلى مستوى القدرة على عقل الحقائق واستيعابها فإنها لن تتقدم إلى الإمام، بل ستهوي في المزالق ذاتها التي دُفِع فيها السابقون، وستواجه المصير ذاته. بلى؛ إن تلك القصص نداءات موجهة إلينا لا يسمعها الصم، وقال تعالى «أُذُنٌ» لأن السمع هو نافذة المعرفة الإنسانية على التاريخ، ووصفها ب- «وَاعِيَةٌ» لكي يهدينا إلى أن منهج القرآن في بيان الحق والتذكير به منهج كامل لا نقص فيه، فإذا لم يستوعبه الإنسان أو لم يقبله فإن الإشكال فيه، لأن أذنه غير واعية، وليس في رسالة الله. ولا شك أن المقصود هو ما وراء الأذن وليست الأذن بذاتها، لأنها ليست وعاء للعلم بل وسيلة موصلة إلى وعائه وهو القلب، ومن أهم شروط استيعاب الحق
ألف: جعله هدفا ومحورا، مقدما على كل اعتبار آخر، فمتى وجده سلَّم له.
باء: الطهارة من الحجب التي تمنع اتصال القلب به كالغفلة والجحود، ومن أبرزها الأفكار والمواقف المسبقة، وذلك أن القلب لا يمكن أن يستوعب الحق والباطل معا، فهو إما يكون وعاء للحق وإما يكون وعاء للباطل، ولا بد أن يطرد الباطل من القلب حتى يستوعب الحق.
جيم: أن تكون قدرة الاستيعاب كبيرة، وذلك أن بعض الحقائق عظيمة لا يستوعبها كل قلب، بل تختلف درجات المعرفة بالحقائق باختلاف القدرات العلمية والإيمانية عند الإنسان .. وجاء في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام
اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَمْدَحْ مِنَ القُلُوبِ إلَّا أَوْعَاهَا لِلحِكْمَةِ، وَمِنَ النَّاسِ إلَّا أَسْرَعَهَمْ إِلَى الحَقِ]
[١]، وقال عليه السلام
إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا] [٢].
ولقد اجتمعت هذه الشروط وغيرها في شخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستوعب رسالة الله، وأصبح أعرف الناس بعد النبي بها، ولذلك أجمع الرواة والمفسرون على تأويلها فيه
عليه السلام بوصفه أعظم مصداق للأذن الواعية .. قال الإمام علي عليه السلام يخاطب أصحابه وخاصته
أَلَا وَإِنِّي مَخْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ بِأَسْمَاءٍ احْذَرُوا أَنْ تَغْلِبُوا عَلَيْهَا فَتَضِلُّوا فِي دِينِكُم
إلى
[١] غرر الحكم: حكمة: ٤٥٨٣.
[٢] نهج البلاغة: قصار الحكم. ١٤٧