من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - فاصبر لحكم ربك
وما داموا لا يملكون ناصية العلم فهم بحاجة ماسة إلى مصادره (الرسالة) وما تكذيبهم بهما إلا دليل على ما هم فيه من العتو والجحود.
(٤٨- ٥٠) والأسباب الثلاثة التي مر ذكرها تجعل الحركة التغييرية في أوساط المترفين تواجه تحديات صعبة من شأنها أن توحي للبعض بأن التغيير مستحيل البتة، وفي ذلك خطران على المصلحين
الأول: خطر التراجع عن المسيرة، نتيجةً طبيعيةً لليأس من الوصول إلى الأهداف المنشودة من الحركة التغييرية، أو لا أقل التنازل عن بعض القيم والتطلعات، والاستسلام للتحديات المضادة، ومن ثم المداهنة فيها، وإلى ذلك أشار الله في قوله «فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» [هود: ١٢].
الثاني: خطر اليأس من الناس، مما يؤدي إلى اعتزالهم والانطواء على الذات، ومن ثم إصدار حكم الكفر عليهم مما يفقد المصلحين الفاعلية التغييرية.
وهكذا يحتاج الرساليون إلى مزيد من الصبر في مواجهة تكذيب المترفين. الصبر بوصفه صفة نفسية يُعطيهم روح الاستمرار والاستقامة على طريق الرسالة «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» أي أن ذلك ليس أمرا شاذا، بل هو من القوانين والسنن الطبيعية التي حكم الله بها أن تكون في المجتمعات، ومعرفة هذه الحقيقة من شأنه أن ينفخ روح الصبر والاستقامة في نفوس المصلحين فلا يستعجلون النتائج أو يكفِّ رون المجتمع، ولا حتى يكونون كيونس بن متى عليه السلام الذي زرعت تحديات قومه في نفسه الغيظ والغضب لرسالة ربه فدعا عليهم بالهلاك.
«وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ» قال الإمام الباقر عليه السلام
أَيْ مَغْمُوم]
[١]، وفي تضاعيف الآيتين (٤٨- ٤٩) تحذير للمؤمنين من أن عدم الصبر لحكم الله ليس لا يخدم الرسالة فقط، بل ويضر بهم أنفسهم، كما أضر بيونس عليه السلام «لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ» فسبحه واعترف أن النقص كان فيه إذ تعجل بالدعاء على قومه، ولم يصبر لحكم ربه فظلم نفسه، وليس
في تدبير الله ولا في حكمه. «لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ» من قبل ربه أو عند قومه وعبر التاريخ بسبب موقفه، ونبذ الله له بالعراء يدل على عدم رضاه عنه، ولكنه تعالى تداركه بنعمة منه معنوية حيث تاب إليه، ومادية حيث أخرجه من بطن الحوت وأنبت عليه شجرة من يقطين تظله عن ذلك العراء. «فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ» و الاجتباء هو الاختيار
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٨٣، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٣٨٠.