من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٤ - فاصبر لحكم ربك
نفسه، ويستقيم في حركته وعمله لوجه الله وتسليما بقضائه وحكمه، فأنى كانت الضغوط والتهم لا يمكنها أن تغيِّر من الواقع شيئا، فهل يصبح العاقل مجنونا والذكر أساطير الأولين بمجرد أن يقول الكافرون ذلك؟ كلا .. لأن الحقائق لا تتغير بقول المكذبين المنكرين، وإن الدارس للقرآن لا يمكنه إلا التسليم بأنه رسالة من الله إلى الناس.
«وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ» والذكر في مقابل الغفلة والنسيان، وقد سمي القرآن بذلك لأنه يذكر البشر بربهم وبالحق في جوانب الحياة المختلفة، بل ويكشف لهم من أسرار الوجود وقوانينه، ويذكِّرهم بعقولهم التي تستثيرها آياته، فهو الذي يحافظ على مسيرة الإنسان مستقيمة على الفطرة والحق ونحو الهدف السليم دون غفلة أو انحراف «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» [التكوير: ٢٧- ٢٨].
وحينما يكون القرآن ذكرا للعالمين (وليس لقوم النبي وحده) يتبين أنه يتجاوز البيئة الجاهلية الضيقة والموبوءة بتلك الدعايات التافهة، ويتسامى فوق تلك الحواجز التي وضعها الجاهليون حول أنفسهم، ومجرد هذا التجاوز يدل على أن القرآن ليس وليد تلك البيئة، وأن النبي ليس مجرد حكيم عظيم أفرزه ذلك المحيط، بل هو رسول الله رب العالمين. ترى كم هي المسافة شاسعة بين قولهم: إنه مجنون، وبين الحقيقة؟.