من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - إن الكافرون إلا في غرور
وحيث إن القرآن متنزَّل من رب الإنسان الذي خلقه ويعلم ما توسوس به نفسه وذات صدره، فإن آياته جاءت واقعية وشفاء لما في صدره، وعلاجا لكل قضاياه ومسائله، وإن هذه الآيات بحق تعبر عما في ضمير كل بشر وحاشا لله وهو الرحمن اللطيف بعباده أن يدعهم في حيرة من هذه الأسئلة الخطيرة فيضلون كفرا وشركا، وهكذا قال ربنا سبحانه «قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» وليست الصدفة أو الطبيعة أو القوى المزعومة من دونه سبحانه، والذرء هنا بمعنى الخلق والنشر، فإنه تعالى خلقنا في الأرض ونشرنا في أقطارها، قال الله «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً» [الأنعام: ١٣٦]، أي مما خلق وبث، وقال «وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ» [النحل: ١٣]، أي خَلَقَ ووَزَّع، وذرأ الحبوب في الأرض فرَّقها وبذرها. والحشر هو الجمع، والسؤال: هل خلق الإنسان في الأرض ليعود إليها بعد الموت دون هدف ومسؤولية؟ كلا .. إنما هي مرحلة في دورته الحياتية التي لا تنتهي، فقبل أن يُذَرَأَ في الأرض ذُرِئ في عالم الذر، وبعد هذه الدنيا يبدأ رحلة إلى عالم البرزخ ثم عالم الحشر والجزاء حيث يلاقي مصيره الأبدي، ومادامت بداية الإنسان من الله ونهايته إليه ومصيره بيده فما أحوجه أن يوظف وجوده في هذه الأرض ونعم الله عليه من أجل حشر سعيد في الآخرة.
وما أعظم ذكر الآخرة والحشر في قلوب الصالحين، وحسب ما يقول الإمام علي عليه السلام
ولَوْلَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ الله عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ]
[١]، ولكنك ترى الضالين الذين حجبهم الكفر والشرك عن رؤية هذه الحقيقة يستهزئون بها فيُذهبون فرصتهم الوحيدة في بحوث عقيمة تافهة، فيتساءلون- مثلا- عن موعد الساعة «وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ» وأسئلة أخرى تافهة كقولهم: كيف يحيي الله الموتى؟ وإنك حين تدرس خلفياتها وأهدافها في نفوسهم تجد أنهم لا يريدون بها معرفة الحقيقة، إنما مجرد الجدل والعناد. أوليسوا يبحثون عن تبرير للتملص من مسؤولية الالتزام بالحق، واتباع القيادة الرسالية في الحياة، والهرب من وخز الضمير ونداء الفطرة؟ إذن لا بد أن يكفروا بالآخرة لأن الإيمان بها قمة الشعور بالمسؤولية، ولكن هل يغير إنكارهم للحقيقة الواقعية شيئا، فلا
تقع الساعة ويصبح الداعية إليها كاذبا لو كفروا بها؟ كلا .. فلينكر أحد حقيقة الموت، وليُكذِّب من يذكِّره بها، فهل يبقى خالدا إلى الأبد ويصير المذكِّر كاذبا؟ وسؤال آخر: هل إن عدم علم الإنسان بلحظة موته- مثلا- ينفي حقيقة الموت؟ فلماذا يعتبر الجاحدون عدم إخبار الرسول صلى الله عليه واله لهم بموعد الساعة دليلا على انتفائها وكذب المؤمنين بها؟ «قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ» وهنا نتساءل: لماذا تأتي هذه الإجابة كلما تحدى الكفار الرسول بالسؤال عن موعد الساعة، أَوَليس
[١] هكذا وصفهم إمام المتقين علي بن أبي طالب في الخطبة ١٩٣ من نهج البلاغة.