من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - تبارك الذي بيده الملك
على الجذب فتسحبهم إلى جوفها بشهيق ذي صوت مرعب أعظم بملايين المرات من الرعد القاصف.
وصفة ثانية لجهنم أنها تفور «وَهِيَ تَفُورُ»، وللفوران معنيان
الأول: الغليان بارتفاع ما في الإناء لشدة الحرارة، وفي المنجد
فارت القدر: غلت وارتفع ما فيها]
[١]، وجهنم يومئذ تتداخل ألسنتها وتتموج بما يشبه فوران الماء في القدر لشدة حرارتها.
الثاني: الغضب، ويقال
فار فائره أي ثار ثائره وهاج غضبه]
[٢]، وكلا المعنيين مجتمعان في هذه الكلمة القرآنية، فإن النار يومئذ تفور كالقدر غضبا.
«تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ» إنها أعظم من ملايين القنابل النووية التي تنفجر مرة واحدة، حتى تكاد تنفجر ويمتاز بعضها عن بعض لولا مشيئة الله! والغيظ الذي يكاد يفجرها هو انعكاس لغضب الله على الكافرين في واقع جهنم، والآية توحي بأن النار لها شعور يوم القيامة، وليس من شيء يدعوها للغيظ أعظم من عصيان أصحابها لربهم عز وجل!.
ويأبى الله سبحانه إلا أن يظهر عدالته حتى لأولئك الذين تسير بهم الأقدار إلى قعر جهنم فإذا بملائكته يسألونهم عن سبب وصولهم إلى هذا المصير البئيس، لكيلا يدخل النار أحد وفي قلبه ذرة من شك بأنه سبحانه قد ظلمه، ولكي يصير أهل النار إلى العذاب وهم في أعظم ما تكون الملامة لأنفسهم على ما فرطوا في جنب الله وفي الإعداد لتلك الدار الآخرة «كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ» يحذركم من معصية الله ومن هذه النار «قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ» فالحجة إذن بالغة عليهم، وأسباب الهداية إلى الحق والوقاية من العذاب وأهمها المنذر والإنذار كانت متوافرة. فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأله رجل فقال: أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ بَعَثَ اللهُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ «لئلأَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»
وَلِئَلَّا يَقُولُوا
«مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ»
وَلِتَكُونَ حُجَّةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَلَا تَسْمَعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ حِكَايَةً عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ وَاحْتِجَاجِهِمْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ
«أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ»] [٣].
وحيث انتفى التقصير عن الله المعذِّب ثبت على الطرف الآخر وهم الكافرون المعذَّبون، فما هو
[١] المنجد: مادة فور.
[٢] المصدر السابق.
[٣] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٣٩.