من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٩ - تبارك الذي بيده الملك
هنا عند الحديث عن نظام الخليقة لأن ذلك من أعظم تجليات رحمته عز وجل. أترى لو كان النظام الكوني متناقضا هل كانت الحياة ممكنة أو ميسرة؟! كلا .. وإننا مهما تفكرنا في الخلائق فإننا نجدها محكومة بنظام التكامل المتقن، فالشمس تختلف عن القمر ولكن أحدهما يكمل مسيرة الآخر، بل يقوم بدور محدد بحيث لا تنتظم مسيرته إلا به. بلى، قد نزعم أنهما متناقضان لأن أحدهما (الشمس) نار مشتعلة والآخر (القمر) نور هادئ ولكن أحدهما وجه للثاني.
واللطيف في التعبير القرآني عند هذه الآية أنه حدثنا في المطلع عن السماوات السبع، ولكنه عندما نفى وجود التناقض نفاه عن كل خلق الله، وذلك أن الإنسان قد يسلم بأن خلقا من خلقه تعالى كالسماوات محكم ومتقن، ولكنه يشك في وجود هذه الحقيقة عندما يتفكر في خلق آخر، فإذا به يتساءل: ولماذا خلق الله الذباب والميكروبات المهلكة؟ لماذا الزلازل التي يذهب ضحيتها الألوف من البشر؟.
ولكن عليه
أولًا: أن يقيس ما يعرفه من خلق البشر بما لا يعرفه.
ثانياً: أن يعالج شكه باليقين، فلا يسترسل مع وساوس الشيطان، بل يظل باحثا عن الحقيقة حتى يكتشفها. لذلك يأتي الخطاب الإلهي الكريم يدعو كل فرد فرد من أبناء البشر للنظر والتفكر في خلق الله، ودراسة الظواهر المختلفة، لأننا كلنا مسؤولون عن معرفة الحقيقة والوصول إلى درجة اليقين من الإيمان بالله، ويقول «فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ» وإلى جانب البصر ينبغي أن يُعمل الإنسان بصيرته أيضا، فإن العين نافذة القلب على الحياة. ولعل الفرق بين كلمتي «تَفَاوُتٍ و فُطُورٍ» أن التفاوت يكون
بين خلق وخلق آخر، وهو منفي لأن كل خلائق الله يكمل بعضها بعضا فهي منسجمة مع بعضها، أما الفطور فيكون في ذات الخلق الواحد بين أجزائه، وليس في خلق من خلقه تعالى ثغرة.
وإنه لعجيب قول ذلك الدكتور الألماني بخنر: بما أننا لم نجد ظاهرة واحدة في هذا الكون الرحيب من أبعد نقطة اكتشفناها في الفضاء وإلى أقرب جرم إلينا، لم نجدها شاذة عن النظام الكوني، فليس لنا الحاجة إلى افتراض وجود الله] [١]. سبحانه الله كيف عمي قلبه ولم يعرف أن وجود النظام دليل على من نظمه وهيمن على إجرائه؟!.
نعم لو كان ثمة تناقض أو تنافر في نظام الكون لأمكن افتراض أن الصدفة [٢] هي التي
[١] الفكر الإسلامي مواجهة حضارية: للمؤلف: ص ١٧٧، ط ٥، ١٩٨٨ م، عن دار البيان.
[٢] الصدفة بمعنى: الضرورة الفاقدة للعقلانية، لا بمعنى الخلق بدون خالق، فالبحث في الصدفة يتجاهل البداية ويحاول تفسير التطور في الخلق ب- (الصدفة) فقط.