الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢١ - لبيد يحاول الإيقاع بينه و بين النعمان
و كان [١] الربيع ينادم النعمان مع رجل من أهل الشام تاجر، يقال له: سرجون [٢] بن نوفل، و كان حريفا للنعمان- يعني سرجون- يبايعه، و كان أديبا حسن الحديث و المنادمة، فاستخفّه النعمان، و كان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه و إلى النطاسيّ- متطبّب كان له- و إلى الربيع بن زياد، و كان يدعى الكامل.
فلما قدم الجعفريّون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خلا الربيع بالنعمان طعن فيهم، و ذكر معايبهم، ففعل ذلك بهم مرارا، و كانت بنو جعفر له أعداء، فصدّه عنهم، فدخلوا عليه يوما فرأوا منه تغيّرا و جفاء، و قد كان/ يكرمهم قبل ذلك و يقرّب مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابا، و لبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، و يغدو بإبلهم كلّ صباح، فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بإبلهم، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم يتذاكرون أمر الربيع، و ما يلقون منه؛ فسألهم فكتموه، فقال لهم: و اللّه لا أحفظ لكم متاعا، و لا أسرّح لكم بعيرا أو تخبروني.
و كانت أمّ لبيد امرأة من بني عبس، و كانت يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، و صدّ عنّا وجهه، فقال لهم لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بينه و بيني فأزجره عنكم بقول ممضّ، ثم لا يلتفت/ النعمان إليه بعده أبدا. فقالوا: و هل عندك من ذلك شيء؟ قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة- لبقلة قدّامهم دقيقة القضبان قليلة الورق لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التّربة [٣]- فقال: هذه التّربة التي لا تذكى نارا، و لا تؤهل دارا، و لا تسرّ جارا، عودها ضئيل، و فرعها كليل، و خيرها قليل، بلدها شاسع، و نبتها خاشع، و آكلها جائع، و المقيم عليها ضائع، أقصر البقول فرعا، و أخبثها مرعى، و أشدّها قلعا، فتعسا لها و جدعا، القوا بي أخا بني عبس، أرجعه عنكم بتعس و نكس، و أتركه من أمره في لبس.
فقالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال لهم عامر: انظروا غلامكم؛ فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، و إنما يتكلّم بما جاء على لسانه، و يهذي بما يهجس في خاطره، و إذا رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم. فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلا، فهو يكدم بأوسطه حتى أصبح.
فلما أصبحوا قالوا: أنت و اللّه صاحبنا، فحلقوا رأسه، و تركوا/ ذؤابتين، و ألبسوه حلّة، ثم غدوا به معهم على النعمان، فوجدوه يتغدّى و معه الرّبيع و هما يأكلان، ليس معه غيره، و الدار و المجالس مملوءة من الوفود.
فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، و قد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز، و يقول [٤]:
يا ربّ هيجا هي خير من دعه
أ كلّ يوم هامتي مقزّعة [٥]
[١] في أ، م بدلا من الأخبار التي تبدأ بقوله: و كان الربيع إلى قوله في صفحة ١٨٧ «و أما الشعر الذي فيه الغناء» قوله: قال أبو الفرج:
قد ذكرت هذا القول مستقصى في «أخبار لبيد» فلا فائدة في ذكره هاهنا.
[٢] ب، س: سرحون: بالحاء المهملة. و ما أثبتناه من ح. و في أخبار لبيد ج ١٥/ ٣٦٣ من «الأغاني» طبع دار الكتب «زرجون بن توفيق».
[٣] التربة: نبت سهلي مفرّض الورق، و قيل: هي شجرة شاكة، و ثمرتها كأنها بسرة معلقة، منبتها السبل و الحزن و تهامة. «اللسان» (ترب).
[٤] ديوان لبيد ٣٤٠، و الخزانة ٤: ٨.
[٥] القزع: تساقط الشعر و الصوف و بقاء بعضه.