الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٧ - ماوية و حاتم و ابن عمه مالك
غنينا زمانا بالتّصعلك و الغنى
و كلّا سقاناه بكأسهما العصر [١]
فما زادنا بغيا على ذي قرابة
غنانا و لا أزرى بأحسابنا الفقر
و ما ضرّ جارا يا ابنة القوم فاعلمي
يجاورني ألّا يكون له ستر [٢]
بعيني عن جارات قومي غفلة
و في السّمع منّي عن حديثهم وقر
فلما فرغ حاتم من إنشاده دعت بالغداء، و كانت قد أمرت إماءها أن يقدّمن إلى كل رجل منهم ما كان أطعمها، فقدّمن إليهم ما كانت أمرتهنّ أن يقدمنه إليهم، فنكّس النّبيتيّ رأسه و النابغة، فلما نظر حاتم إلى ذلك رمى بالذي قدّم إليهما [٣]، و أطعمهما مما قدم إليه، فتسللا لواذا، و قالت: إنّ حاتما أكرمكم و أشعركم.
فلما خرج النّبيتيّ و النابغة قالت لحاتم:/ خلّ سبيل امرأتك، فأبى، فزوّدته و ردّته. فلما انصرف دعته نفسه إليها، و ماتت امرأته، فخطبها فتزوّجته، فولدت عديّا.
إسلام عدي بن حاتم
و قد كان عديّ أسلم و حسن إسلامه، فبلغنا إنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال له، و قد سأله عديّ: يا رسول اللّه، إن أبي كان يعطي و يحمل، و يوفي بالذّمّة، و يأمر بمكارم الأخلاق؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إنّ أباك خشبة من خشبات جهنّم.
فكأن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم رأى الكآبة في وجهه، فقال له: يا عديّ إنّ أباك و أبي و أبا إبراهيم في النار.
ماوية و حاتم و ابن عمه مالك
و كانت ماوية عنده زمانا، و إن ابن عمّ لحاتم كان يقال له: مالك قال لها: ما تصنعين بحاتم؟ فو اللّه لئن وجد شيئا ليتلفنه، و إن لم يجد ليتكلفنّ، و إن مات ليتركنّ ولده عيالا على قومك، فقالت ماوية: صدقت، إنه كذلك.
و كان النساء- أو بعضهنّ- يطلّقن الرجال في الجاهلية، و كان طلاقهن أنهن إن كنّ في بيت من شعر حوّلن الخباء؛ فإن كان بابه قبل المشرق حوّلنه قبل المغرب، و إن كان بابه قبل اليمن حوّلنه قبل الشام؛ فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. و إن ابن عم حاتم قال لماوية- و كانت أحسن نساء الناس-: طلّقي حاتما، و أنا أنكحك و أنا خير لك منه، و أكثر مالا، و أنا أمسك عليك و على ولدك؛ فلم يزل بها حتى طلّقت حاتما، فأتاها حاتم و قد حوّلت باب الخباء، فقال: يا عديّ، ما ترى أمّك عدي [٤] عليها؟ قال: لا أدري، غير أنها قد غيّرت باب الخباء، و كأنه لم يلحن [٥] لما/ قال، فدعاه فهبط به بطن واد، و جاء قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، فتوافوا خمسين رجلا، فضاقت بهم ماوية ذرعا، و قالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له: إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا خمسين رجلا فأرسل بناب [٦] نقرهم و لبن نغبقهم [٧]، و قالت لجاريتها: انظري إلى جبينه و فمه فإن
[١] ب، س «عنينا». و في الديوان:
عنينا زمانا بالتصعلك و الغنى
كما الدّهر في أيّامه العسر و اليسر
لبسنا صروف الدّهر لينا و غلظة
و كلّا سقاناه بكأسهما العصر
[٢] البيت ليس في ديوانه، و كذا ما بعده.
[٣] ف «بالذي قدمته إليها».
[٤] ف «عدا».
[٥] لم يلحن: لم يفطن.
[٦] الناب: الناقة المسنة.
[٧] الغبوق: ما يشرب بالعشي. و غبقه: سقاه ذلك.