الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٠ - يطلب من عبد المطلب أن يكتم أمر محمد و يحذره من اليهود
سيف يسر إلى عبد المطلب بأمارات ظهور النبي صلّى اللّه عليه و سلم
ثم استنهضوا إلى دار الضيافة و الوفود، فأقاموا فيها شهرا لا يصلون إليه، و لا يؤذن لهم في الانصراف، و أجرى لهم الأنزال [١]. ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدناه، و أخلى مجلسه، ثم قال:
يا عبد المطلب، إني مفوّض إليك من سرّ علمي أمّرا لو يكون غيرك لم أبح به إليه، و لكني رأيتك موضعه، فأطلعتك طلعه؛ فليكن عندك مطويّا حتى يأذن اللّه فيه، فإنّ اللّه بالغ أمره.
إني أجد في الكتاب المكنون، و العلم المخزون، الذي اخترناه لأنفسنا، و احتجنّاه دون غيرنا، خبرا عظيما، و خطرا جسيما، فيه شرف الحياة، و فضيلة الوفاء للناس عامة، و لرهطك كافة، و لك خاصة.
قال عبد المطلب: مثلك أيّها الملك من سرّ و برّ، فما هو فداك أهل الوبر، زمرا بعد زمر؟ قال ابن ذي يزن:
إذا ولد غلام بتهامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، و لكم به الزّعامة، إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أيّها الملك، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد، و لو لا هيبة الملك و إكرامه و إعظامه لسألته أن يزيدني في البشارة ما أزداد به سرورا. قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد؟ اسمه محمد صلّى اللّه عليه و سلم، يموت أبوه و أمه، و يكفله جدّه و عمّه، قد ولدناه [٢]/ مرارا، و اللّه باعثه جهارا، و جاعل له منّا أنصارا، يعزّبهم أولياءه، و يذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض،/ و يستبيح بهم كرائم الأرض، يخمد النيران، و يدحر الشيطان، و يكسر الأوثان، و يعبد الرحمن، قوله فصل، و حكمه عدل، يأمر بالمعروف و يفعله، و ينهى عن المنكر و يبطله.
فقال عبد المطلب: أيها الملك، عزّ جدّك، و علا كعبك، و دام ملكك، و طال عمرك، فهل الملك مخبري بإفصاح، فقد أوضح لي بعض الإيضاح.
فقال ابن ذي يزن: و البيت ذي الحجب، و العلامات على النّصب، إنك يا عبد المطلب، لجدّه غير الكذب.
يطلب من عبد المطلب أن يكتم أمر محمد و يحذره من اليهود
فخرّ عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، و علا أمرك؛ فهل أحسست شيئا مما ذكرته لك؟ فقال عبد المطلب: أيها الملك! كان لي ابن، و كنت به معجبا، و عليه رفيقا، زوّجته كريمة من كرائم قومي، اسمها آمنة بنت وهب؛ فجاءت بغلام سمّيته محمدا، مات أبوه و أمه؛ و كفلته أنا و عمه. قال: الأمر ما قلت لك؛ فاحتفظ بابنك، و احذر عليه من اليهود؛ فإنهم له أعداء، و لن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا، و اطو ما ذكرت لك عن هؤلاء الرّهط الذين معك؛ فإني لا آمن أن تدخلهم النّفاسة من أن تكون له الرئاسة؛ فينصبون له الحبائل، و يطلبون له الغوائل، و هم فاعلون و أبناؤهم، و بطيء ما يجيبه قومه؛ و سيلقى منهم عننا، و اللّه مبلج حجّته؛ و مظهر دعوته، و ناصر شيعته، و لو لا أني أعلم أنّ الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي؛ حتى أصيّر يثرب دار ملكي؛ فإني أجد في/ الكتاب المكنون أنّ بيثرب استحكام أمره، و أهل نصرته، و موضع قبره؛ و لو لا أني أتوقّى عليه
[١] النزل: ما هيئ للضيف، و جمعه أنزال.
[٢] المختار «قد وجدناه مرارا»، و في ما: «قد ولداه سرارا»..