الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٣ - مالك يعود إلى الشراب
و ما تنفكّ ترحض [١] كلّ يوم
من السّوآت كالطفل النهيم [٢]
أ كلّ الدّهر سعيك في تباب
تناغي كلّ مومسة أثيم
فقال له: لست كما قال الجعديّ، و لكني كما قلت:
لكل جواد عثرة يستقيلها
و عثرة مثلي لا تقال مدى الدّهر
فهبنى يا حجّاج أخطأت مرّة
و جرت عن المثلى و غنّيت بالشعر
فهل لي إذا ما تبت عندك توبة
تدارك ما قد فات في سالف العمر [٣]
/ فقال له الحجاج: بلى و اللّه، لئن تبت لأقبلنّ توبتك و لأعفّينّ [٤] على ما كان من ذنبك و من لي بذلك يا مالك؟ قال له: لك اللّه به، قال: حسبي اللّه و نعم الوكيل، فانظر ما تقول، قال: الحقّ أصلحك اللّه لا يخفى على أحد.
مالك يعود إلى الشراب
قال: فترك مالك الشراب، و وفّى بعهده و أظهر النسك، ثم طما به الشعر، و طال عليه ترك اللّذّات و الشراب، فقال:
و ندمان صدق قال لي بعد هدأة
من الليل: قم نشرب، فقلت له: مهلا
فقال: أ بخلا يا ابن أسماء هاكها
كميتا كريح المسك تزدهف العقلا [٥]
فتابعته فيما أراد و لم أكن
بخيلا على النّدمان أو شكسا و غلا
و لكنني جلد القوى أبذل النّدى
و أشرب ما أعطى و لا أقبل العذلا
ضحوك إذا ما دبّت الكأس في الفتى
و غيّره سكر و إن أكثر الجهلا
قال: فبلغ الحجاج أنّ مالكا قد راجع الشّراب، فقال: لا يأتي مالك بخير سجيس الأوجس [٦]،/ قاتل اللّه أيمن بن خريم حيث يقول:
إذا المرء وفّى الأربعين و لم يكن
له دون ما يأتي حجاب و لا ستر
فدعه و ما يأتي و لا تعذلنّه
و إن مدّ أسباب الحياة له العمر
و أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش أبيات أيمن هذه الرائية، و قال: أخذ معناها من قول ابن عباس: إذا بلغ المرء أربعين سنة و لم يتب أخذ إبليس بناصيته، و قال: حبّذا من لا يفلح أبدا. و أول الأبيات هذه:
/
و صهباء جرجانيّة لم يطف بها
حنيف و لم تنغر بها ساعة قدر [٧]
[١] ترحض: تغسل، و في أ «تدحض» و النهيم المنهوم: الذي يمتلئ بطنه و لا تنتهي نفسه.
[٢] كذا في ج، و في أ، م «العظيم».
[٣] أ «في منتهى العمر».
[٤] المختار «و لأعفون».
[٥] تزدهف العقل: تذهب به.
[٦] سجيس الأوجس: طوال الدهر.
[٧] لم تنغر: لم تغل.