الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٩ - غنت شعرا لحسان بن ثابت فبكى
ختن زيد بن ثابت الأنصاري بنته، فأولم؛ فاجتمع إليه المهاجرون و الأنصار و عامّة أهل المدينة، و حضر حسّان بن ثابت و قد كفّ بصره يومئذ، و ثقل سمعه، و كان يقول إذا دعي: أعرس أم عذار [١]؟ فحضر و وضع بين يديه خوان ليس عليه إلّا عبد الرحمن ابنه، فكان/ يسأله: أ طعام يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جاءوا بالشّواء، فقال: طعام يدين؛ فأمسك يده حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت و سادة، و أقبلت الميلاء، و هي يومئذ شابّة، فوضع في حجرها مزهر، فضربت به، ثم تغنّت، فكان أوّل ما ابتدأت به شعر حسّان، قال:
/
فلا زال قبر بين بصرى و جلّق
عليه من الوسميّ جود و وابل
فطرب حسّان، و جعلت عيناه تنضحان، و هو مصغ لها.
أخبرني ابن عبد العزيز الجوهريّ، عن ابن شبّة، عن الأصمعيّ، عن أبي الزناد، قال:
قلت لخارجة بن زيد: أ كان يكون هذا الغناء عندكم؟ قال: كان يكون في العرسات [٢] و لم يكن يشهد بما يشهد به اليوم من السّعة.
و كان في إخواننا بني نبيط مأدبة، فدعينا، و ثمّ قينة أو قينتان تنشدان شعر حسّان بن ثابت، قال [٣]:
انظر خليلي بباب جلّق هل
تبصر دون البلقاء من أحد؟ [٤]؟
قال: و حسّان يبكي، و ابنه يومئ إليهما أن زيدا؛ فإذا زادتا بكى حسّان، فأعجبني ما يعجبه من أن تبكيا أباه، و قد كفّ بصر حسّان بن ثابت يومئذ.
أخبرنا وكيع، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن الواقديّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال:
سمعت خارجة بن زيد يقول: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط، قال خارجة: فحضرتها، و حسّان بن ثابت قد حضرها، فجلسنا/ جميعا على مائدة واحدة، و هو يومئذ قد ذهب بصره، و معه ابنه عبد الرحمن، فكان إذا أتى طعام سأل ابنه: أ طعام يد أم يدين؟ يعني باليد الثّريد و باليدين الشّواء؛ لأنه ينهش نهشا، فإذا قال: طعام يدين أمسك يده. فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين: إحداهما رائقة و الأخرى عزّة، فجلستا و أخذتا مزهريهما، و ضربتا ضربا عجيبا، و غنّتا بقول حسّان:
انظر خليلي بباب جلّق هل
تبصر دون البلقاء من أحد
فأسمع حسّانا يقول:
قد أراني بها [٥] سميعا بصيرا
و عيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء، و إذا غنّتا بكى، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكتتا يشير إليهما أن تغنّيا، فيبكي أبوه، فأقول: ما حاجته إلى إبكاء أبيه!.
[١] العرس: طعام الوليمة، و العذار: طعام البناء و الختان.
[٢] س، ب «العرسان». و العرسات: جمع عرس: طعام الوليمة، و يجمع على أعراس أيضا.
[٣] ديوانه ١١٠.
[٤] جلق: اسم لكورة الغوطة، أو هي دمشق نفسها أو قرية من قراها. و البلقاء من أعمال دمشق.
[٥] المختار «هناك».