المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٣٣
و أيضا فشرط المفعول لأجله كونه فعلا لفاعل الفعل المعلّل به، كما قد عرفته في تعريفه، و صرّح به المحقّقون من أهل العربية، و لا شكّ أنّ فاعل الوجوب الذي توهّم كونه مفعولا لأجله هو اللّه تعالى؛ لأنّه أحد أحكام اللّه تعالى الخمسة الشرعيّة، و فاعل الفعل المعلّل- و هو الصلاة المشخصة- هو المكلّف، فلا يكون الوجوب مفعولا لأجله بالنسبة إليها و إن كان علّة.
نعم، المكلّف كما أنّه فاعل للصلاة فاعل للقربة أيضا، فكانت مفعولا لأجله؛ لجمعها الشرائط الخمسة كلّها.
بقي هنا لطيفة، و هي أنّ من القواعد المقرّرة في العربيّة أنّ علّة الحدث إذا لم تجمع الشرائط المذكورة وجب جرّها بحرف التعليل، كما في قوله تعالى وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا [١] فإنّ الركوب علّة لخلق هذه الأشياء، لكن فاعله ليس هو فاعل خلقها، فلذلك جاء به مجرورا بلام التعليل و عقّبه بقوله وَ زِينَةً بالنصب على المفعول له؛ لاتّحاد فاعل الخلق و التزيين و هو اللّه تعالى.
و من هنا ظهر لك السرّ في الإتيان بالوجوب في عبارة النيّة مجرورا باللام، و الإتيان بالقربة بعده منصوبة على المفعول لأجله؛ لاتّحاد فاعلها و فاعل الفعل الأوّل دون الوجوب مع تشاركهما في أصل العلّيّة. و ما أشدّ التناسب بين الآية الشريفة و ما نحن فيه، و ألطف الدلالة لذلك على عدم تعدّد المفعول لأجله.
ثم لو تنزّلنا و سلّمنا أنّ المفعول له متعدّد، منعنا من عدم جواز عطف أحدهما على الآخر بدون الواو، بل كما يجوز العطف به ملفوظا يجوز محذوفا، بل هو قاعدة مطّردة في هذا الباب و غيره، و قد ورد حذف حرف العطف في الشواهد الشعريّة و الآيات القرآنيّة، كما نصّ عليه ابن هشام في المغني و غيره [٢]، و قد تقدّم منّا الإشارة إلى ذلك في صدر الكتاب عند الحاجة إليه [٣]، و ظهر بما حقّقناه ما يحسم مادة الإشكال
[١] النحل: ٨.
[٢] مغني اللبيب ٢: ٦٣٥.
[٣] تقدّم في الصفحة: ٥٩.