المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٩٩
المشرق قدر ثلث ما بين نقطتي الجنوب و المشرق، بحيث يكون ثلث القدر على يمينه و ثلثاه على يساره تقريبا.
و المقرّر في محلّه أنّ قبلة دمشق منحرفة عن نقطة الجنوب نحو المشرق واحدا و ثلاثين جزء من تسعين جزء، و كلّما غربت البلاد الشاميّة كان التشريق أكثر.
و بهذا يظهر فساد كثير من المحاريب الموضوعة لمساجد بلادنا؛ لأنّها موضوعة على نقطة الجنوب تقريبا، و هي قبلة العراق لا الشام، كما قد أوضحناه.
و قد علم من ذلك أنّ المراد بطلوع سهيل أوّل بروزه عن الأفق، كما فسّرناه به؛ لأنّ ذلك هو المفهوم من الطلوع، و ليطابق باقي العلامات. و توهم أنّ المراد به غاية ارتفاعه غلط فاحش؛ لأنّ استقباله حينئذ يكون علامة للعراقيّ لا الشاميّ، كما مرّ، مع أنّ ذلك لا يسمّى طلوعا عرفا و لا اصطلاحا.
و كذلك علم أنّ المراد بغيبوبة بنات نعش هو ميلها نحو المغرب بحيث تكون في قرب نصف مسافة التغريب، و هو ربع قوسها، لا نهاية انحطاطها، فإنّها حينئذ تكون على دائرة نصف النهار، كما تقدّم في الجدي حال انخفاضه. و حينئذ لا يكون خلف أذن الشامي اليمنى بل خلف ظهر العراقيّ، كما لا يخفى على من أحاط علما بما حرّرناه.
و هذا أمر يشهد به الوجدان فضلا عن التقرير، فتدبّر.
و اعلم أنّه يستفاد من قوله: إنّ العراقيّ يجعل الجدي خلف المنكب الأيمن، و الشاميّ خلف الكتف الأيسر: أنّ انحراف العراقيّ نحو المغرب يزيد يسيرا عن انحراف الشاميّ نحو المشرق؛ لأنّ الكتف أقرب إلى نقطة الشمال من المنكب، كما لا يخفى. و هو موافق للقواعد المثبتة لإخراج سمت القبلة، لكن هذا إنّما يتمّ في أواسط العراق- كما مرّ- لا في مطلق العراق، فإنّ انحراف الشاميّ أكثر من بعضه.
و ممّا حرّرناه من الكلام على العراق و الشام يعلم أنّ تعليق الحكم عليهما ليس على ما صدق عليه الاسمان، بحيث يحكم بالعلامات المذكورة للعراق لأطرافها الغربيّة مثلا، و بعلامات الشام إلى طرفها الشرقيّ المجاور للعراق، بل يحتاج في ذلك إلى فضل