المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٨٣
غيرها و إن أمكن.
و الحقّ في توجيه الاستدامة الحكمية أنّ الواجب لمّا كان هو إيقاع العبادة على ذلك الوجه المخصوص، و كانت إرادة الضد منافية لإرادة الضد الآخر، اقتضى ذلك وجوب الاستمرار على ذلك الوجه المطلوب شرعا، و يتحقّق بعدم إحداث نيّة تنافي الأولى، فمتى لم ينو نيّة مخالفة حصل له ما نواه أوّلا؛ للامتثال، فلا يفتقر إلى تجديد العزم؛ لعدم الدليل عليه.
و قد بنى المصنّف رحمه اللّه التفسيرين على مسألة كلامية اختلف فيها، و هي أنّ الممكن الباقي هل هو مستغن عن المؤثّر، أو محتاج إليه؟ فعلى الأوّل يثبت التفسير الأوّل، و على الثاني الثاني.
و الظاهر أنّ هذا البناء لا حقيقة له:
أما أوّلا؛ فلعدم الدليل عليه.
و أما ثانيا؛ فلأنّ ذلك يقتضي وجوب استمرارها فعلا إلى آخر العبادة، لأنّها تصير حينئذ علّة للعبادة مؤثّرة، فيلزم حينئذ انتفاء صحة العبادة عند الذهول عنها و هو منتف إجماعا. و العزم على مقتضاها ليس هو عين النيّة الاولى، فلا يكون مؤثّرا في العبادة، إذ الدليل إنّما دلّ على اعتبار النيّة المعهودة، و تعذّرها يوجب الإتيان بالقدر الممكن منها و تجديدها كذلك، لا إقامة بدلها.
و أما ثالثا؛ فلما بيّناه من أنّ الدليل إنّما يدل على اعتبار النيّة في أوّل العبادة، فيستمر حكمها إلى أن يصرف القصد إلى ما يضادّها، فالتفسير الأوّل أجود.
إذا تقرّر ذلك، فلو نوى قطع الطهارة أو المنافي للنيّة بطلت النيّة بالنسبة إلى ما بقي من الأفعال لا الوضوء؛ لأنّه عبادة منفصلة الأجزاء شرعا، لا تتوقّف صحة بعضه على البعض الآخر مطلقا. و لهذا لو أخلّ بغسل بعض الأعضاء على الوجه المعتبر شرعا بطل ذلك العضو لا غير، فلو جدّده بحيث لا يخلّ بعضها بالموالاة صحّ، بخلاف الصلاة فإنّ أفعالها متّصلة مرتبطة، بحيث يؤدي إفساد بعضها عمدا إلى فساد الصلاة و بطلان ما تقدّم من الأفعال، فإذا أراد تمام الوضوء هنا و الموالاة باقية استأنف النيّة