المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٣٢
يقتضي كون المراد به من العبادات الواقعة بعد المعرفة، و في قوله عليه السّلام: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة»، دلالة على كون المعرفة أفضل من الصلاة، فيكون التقرّب بها أتم، و ذلك يخالف ما تقرّر في القاعدة.
و جوابه: أنّ في قوله عليه السّلام: «ما أعلم أفضل» إلى آخره عدول عمّا اقتضاه السؤال، و تحقيق للحال بوجه آخر، و هو أنّ المعرفة باللّه تعالى أفضل من الصلاة، بمعنى أنّ اللّه تعالى جعل جزاءها أفضل [١] الجزاء، و هو الخلود في الجنّة. و لا يلزم من ذلك كونها متقرّبا بها منوية قبل وقوعها، ففي كلامه عليه السّلام تنقيح للسؤال و تقرير له بوجه آخر على غير جهة التقرّب.
و الحاصل أنّ المعرفة موجبة للقرب لا للتقرّب، و ما بعدها من العبادات موجبة للتقرّب؛ لأنّ (تفعّل) في هذا المقام غير (فعل) و إن أمكن ردّهما إلى معنى واحد في بعض الموارد.
و اعلم أنّ الحكمة في أفضليّة الصلاة على باقي العبادات- مع النصّ- أنّ الأعمال البدنيّة أفضل من الماليّة و أشدّ مشقّة، و من ثمّ قبلت الماليّة النيابة في حال الحياة اختيارا.
ثم الأفعال البدنيّة منها الحج و فيه- مع التكليف به بالبدن- شائبة الماليّة؛ لاشتراطه بالاستطاعة، بخلاف الصلاة. و وجوب ستر العورة فيها ليس على حدّ شرط الحج؛ لسقوطه عند العجز عنه و وجوب الصلاة عاريا، بخلاف استطاعة الحج. و مثله الجهاد، و من ثمّ قبل النيابة حال الحياة مع الضرورة.
و الصوم و إن كان عبادة بدنيّة لكنّه ليس فعلا محضا؛ لأنّه عبارة عن الإمساك عن المفطرات على وجه مخصوص، و هو من قبيل التروك، و نسبته إليه تعالى في الحديث القدسي و أنّه يختص بالجزاء به [٢]، و تسميته عملا، ليس صريحا في أفضليّته على الصلاة، بل على اشتماله على مزيّة لا تحصل في غيره، مع أنّ الصلاة جمعت بين خصوصيّة الصوم و الاعتكاف و الحج و غيرها من العبادات، مع اختصاصها بفضيلة
[١] في «ع»: أعظم.
[٢] صحيح مسلم ٢: ٨٠٧/ ١٦٣، سنن ابن ماجة ١: ٥٢٥/ ١٦٣٨.