المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٩
نعم، ورد في الحديث القدسي: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه» [١]، و ورد أيضا: «أنّ الواجب أفضل من سبعين مثلا من النفل». إلّا أنّهما ليسا من الأدلة الثابتة بسند يعتمد عليه بحيث يخصّصان ما دلّ عليه النقل و العقل من الأدلّة من أنّ «أفضل الأعمال أحمزها» [٢]، فإنّ الثواب المستحق يزيد بزيادة العبادة و ينقص بنقصانها؛ لأنّ المشقّة أصل التكليف المؤدّي إلى الثواب و مداره، و كلّما عظمت عظم، إلّا ما أخرجه الدليل الخاص.
و على تقدير تمام الثاني يكون الكلام فيما زاد على السبعين، مع أنّه لو كان الواجب أفضل من الندب مطلقا لم يكن للتقييد بالسبعين فائدة.
و قد ورد أيضا في بعض النوافل وجوه تترجّح بها على الفرائض من وجه و إن كانت الفرائض تترجّح من وجه آخر، كما ورد عنه عليه السّلام أنّه «إذا أذّن المؤذّن أدبر الشيطان و له ضراط» إلى قوله: «فإذا أحرم العبد بالصلاة جاء الشيطان فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل كذلك فلا يدري كم صلّى» [٣]، مع أنّ الأذان و الإقامة من وسائل الصلاة و مقدّماتها المستحبة.
و بالجملة فلا قاطع على أفضلية مطلق الواجب على جميع المندوبات، و للنظر فيه مجال. و كيف كان فحديث أفضلية الفريضة الواحدة على عشرين بيتا من الذهب لا يحتاج إلى التقييد.
(و عنهم عليهم السّلام: «ما تقرّب العبد إلى اللّه تعالى بشيء بعد المعرفة») باللّه تعالى و رسوله و ما به يتحقّق الإيمان ( «أفضل من الصلاة»).
و هذا معنى الحديث المروي، و لفظه ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحب ذلك إلى اللّه عزّ و جل ما هو؟ فقال: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه
[١] : مسند أحمد ٦: ٢٥٦، اتحاف السادة المتّقين ٨: ٤٧٧، عوالي اللئالي ١: ٤٠٨/ ٧٤.
[٢] : انظر القواعد و الفوائد ١: ١٠٨، معارج الأصول: ٢١٥، الفائق للزمخشري ١: ٣١٩، النهاية لابن الأثير ١: ٤٤.
[٣] صحيح البخاري ١: ١٥٨، سنن أبي داود ١: ٣٥٥/ ٥١٦.