المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٣٥
عبادة واحدة متّصلة، و محلّ النيّة أوّل العبادة، إلّا ما نصّ عليه كالعدول، بخلاف الوضوء فإنّه منفصل شرعا، و في حكم نيّة القطع التردد فيه.
و القول الآخر: عدم البطلان بهما [١]؛ بناء على منع تنافي إرادتي الضدّين، و إن تنافي معروضهما، و هي مسألة كلاميّة.
و فصل ثالث فأبطل الصلاة بنيّة القطع في الحال و فعل المنافي فيه، لا في المآل إذا رجع عن النيّة قبل الوصول إليه [٢]. و جعل المصنّف ما ذكره قولا يشعر بتوقّفه فيه، و قد اختاره في باقي كتبه [٣].
(و الواجب) في النيّة (القصد) بل هي عين القصد.
(و لا عبرة) فيها (باللفظ بل يكره) اللفظ فيها مع اقترانه [٤] بالقصد (لأنّه كلام لغير حاجة بعد الإقامة) و كلّ كلام يقع بعدها كذلك فهو مكروه، كما ورد به النقل [٥].
و أشار بذلك إلى الردّ على ما يخطر لأهل الوساوس الشيطانيّة و الحماقة النفسانيّة من توهّم صعوبة استحضار النيّة بدون تجشّم المشاقّ القويّة و تكرير الألفاظ المعدّة للنيّة، بل مجرّد التلفّظ بها و لو مرّة واحدة، حتى صيّر الشيطان بعضهم هجنة عند العقلاء بل ضحكة للأغبياء الجهلاء.
و كيف يتصوّر العاقل المختار- الذي يصدر عنه في آناء الليل و أطراف النهار أفعال كثيرة مختلفة المقاصد، متباينة الغايات و الفوائد، و كلّها لا يوقعها إلّا بعزيمة جازمة و نيّة لازمة- أنّ القصد إلى فعل من الأفعال يتوقّف على التلفّظ بالقصد إليها؟! مع أنّه عبارة عن مجرّد توجّه الذهن إليها و بعث النفس عليها، و إنّما النيّة أمر مركوز في جبّلة العقلاء، بل كثير من المجانين الأغبياء لا يفعلون فعلا إلّا تبعا لقصودهم، و ليس النيّة إلّا ذلك، مع اعتبار نيّة القربة إلى اللّه تعالى بها و مقارنتها لأوّل العبادة، و ذلك لا يوجب
[١] اختاره الشيخ الطوسي في الخلاف ١: ٣٠٧ المسألة ٥٤ كتاب الصلاة.
[٢] هو العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء ٣: ١٠٨ المسألة ٢٠٥ كتاب الصلاة و قواعد الأحكام ١: ٢٦٩.
[٣] الذكرى: ١٧٨، البيان: ١٥٣، الدروس ١: ١٦٦.
[٤] في «د» و «ق»: أقرانه.
[٥] التهذيب ٢: ٥٥/ ١٩١، الاستبصار ١: ٣٠١/ ١١١٢.