المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٢٩
أوّله، جمعا بين كونه جزء، و كون التحريم به إنّما يتحقّق بإكماله؛ لأنّ تعليق الحكم على مجموع لا يتمّ إلّا بجميع أجزائه، خلاف الجزئيّة فإنّها لا تتوقّف على المجموع، بل جزء الجزء جزء.
و حيث قد عرفت أنّ النيّة أمر واحد بسيط، و هو القصد إلى الأمر المخصوص على وجه مخصوص، كانت المقارنة بذلك القصد المستلزم الحضور المقصود بالبال، و هذا معنى قولهم: إنّ المقارنة تكون بمجموع الأمور الأربعة.
و كيف كان فهو أمر سهل و تكليف هيّن، و فإنّ المعتبر لحظ الذهن له بأدنى مخيلة، و هذا القدر أمر لا ينفكّ منه جميع العقلاء، بل الأغبياء الجهلاء عند إرادتهم فعلا ما من الأفعال فإنّهم لا يفعلونه إلّا بقصد و تخصيص له من بين الأفعال، كما يشهد به الوجدان، مع أنّهم لا يتكلّفون لنيّته عند فعله. و القدر الذي تزيده نيّة الصلاة من المميّزات لا يوجب ذلك، إلّا بمعارضة الوهم أو الشيطان.
و من هنا قال بعض الفضلاء: لو كلّف اللّه تعالى الصلاة أو غيرها من العبادات بغير نيّة كان تكليف ما لا يطاق، و ما هذا شأنه لا حاجة إلى التعب في تحصيله، و هو كلام متين لمن تدبّره.
و ما يتّفق لبعض الناس من تجشّم الاستحضار، فهو مجرّد و هم أو معارضة شيطان، حتى ربّما [١] صيّر بعضهم هجنة [٢] عند العقلاء و ضحكة للجهلاء، فالأصوب لهم البناء على الصحّة و الإعراض عن هذا الخيال و إن عزّهم [٣] الخبيث بأنّ ذلك غير جائز، فإن أقلّ ما يجوّزه- مع سهولة الخطب و استلزام مخالفة الشيطان- أنّ الوقوف على ما يرضيه موجب للعسر و الحرج المنفيين عنّا إجماعا، فإذا لم يلتفت إلى ذلك مرّة بعد
[١] في هامش «ع»: قوله: ربما- إلى قوله-: و ضحكة للجهلاء: كذا بخط الشارح رحمه اللّه صحيحا.
[٢] الهجنة في الكلام: ما يلزمك منه عيب، تقول: لا تفعله فيكون عليك هجنة. العين ٣: ٣٩٢، تاج العروس ١٨: ٥٨٢ «هجن».
[٣] في هامش «ع»: عزّهم، بالعين المهملة و الزاي المعجمة، فكان بمعنى أنّه غلب عليهم، كما هو الظاهر من خطّ الشارح رحمه اللّه و وضعه التشديد على الزاي المعجمة و النقطة كذلك. و يحتمل أن يقرأ بالغين المعجمة و الراء المهملة احتمالا بعيدا.