المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٥٢
الأخبار معلّق بالمكلّف لا بالعورة، كما عرفته في قوله صلّى اللّه عليه و آله: «فلا تستقبل القبلة» إلى آخره، فإنّ المتعارف من الاستقبال و الاستدبار حين يتعلّق بالمكلّف أن يكون بوجهه و مقاديم بدنه على حدّ ما يعتبر في الصلاة أو يمتنع، فتحمل العبارة على ذلك، إذ ليست منافية له إن لم تكن مطابقة.
و أجاب الشارح المحقّق عن العبارة بأنّها تدل أيضا على ذلك، فإنّ الانحراف بها يقتضي لغة الانحراف معها، على حدّ قولك: ذهبت بزيد و انطلقت به، فإنّ المراد ذهابهما و انطلاقهما معا؛ حملا لباء التعدية على معنى (مع) [١].
و فيه نظر، فإنّ المحقّقين من أهل العربيّة كابن هشام و نقله عن سيبويه و غيره، على أنّ معنى التعدية بالهمزة و الباء واحد، فكما لا يقتضي قولك: أذهبت زيدا، ذهابك معه، لا يقتضيه قولك ذهبت بزيد، كما قال اللّه تعالى ذَهَبَ اللّٰهُ بِنُورِهِمْ [٢] مع أنّ الذاهب هو النور خاصة» [٣].
و الحقّ أن العبارة لا تدلّ على أحد المعنيين صريحا، بل تحتملهما، و أهل العربية قد اختلفوا في ذلك، فإنّ المبرد [٤] و جماعة ذهبوا إلى ما اختاره الشارح. لكن الدليل الشرعي لا يدل إلّا على اعتبار الوجه و البدن، فيكون ذلك هو المخصّص للمعنى الأوّل، لا نفس التركيب.
بقي في المسألة بحث، و هو أنّ مقتضى العبارة على ذلك التقدير، و صريح الشارح، أنّ الواجب متابعة العورة للبدن في الانحراف عن القبلة، فلو انحرف بوجهه و بدنه و بقي الذكر منحرفا إلى القبلة لم يصحّ، و الأدلّة لا تدلّ على ذلك، بل إنّما تدلّ على أنّ المحرّم من ذلك القدر المعتبر في الصلاة، و الواجب خلافه، و لا تعرّض لها إلى العورة بنفي و لا إثبات، و الأصل يقتضي عدم تحريم ذلك، و بهذا يظهر ضعف حمل
[١] شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) ٣: ٢١٩.
[٢] البقرة: ١٧.
[٣] مغني اللبيب ١: ١٠٢.
[٤] انظر شرح الكافية لنجم الدين المحقّق الرضي ٢: ٢٧٤.