المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية - الشهيد الثاني - الصفحة ١٥١
و حيث ذكر أحكام الاستنجاء المقصودة بالذات من الرسالة، ناسب المقام أن يذكر أحكام الخلوة التي هي مقدّمات و لوازم ما يترتّب عليه الاستنجاء، استتباعا لطيفا، كما قد استعمله في هذه الرسالة كثيرا ليأتي على جميع ما ذكروه في باب الطهارة و الصلاة، فقال:
(و يجب على المتخلّي) و هو قاضي الحاجة، وصفه بذلك لوقوع الفعل غالبا في الخلوة.
(ستر العورة) التي يجب سترها في الصلاة، و سيأتي بيانها، عن ناظر يحرم اطّلاعه عليها. و إنما أطلق الوجوب اتّكالا له إلى ما هو الشائع الظاهر، و احترزنا بالوصف عن زوجة الرجل و مملوكته غير المزوّجة، و المعتدّة، و الطفل الذي لا يميّز العورة، بحيث يفرّق بينها و بين غيرها بزيادة توجيه النفس إليها.
(و انحرافه) أي انحراف المتخلّي (عن القبلة بها) أي بالعورة؛ لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرّقوا أو غرّبوا» [١]، و المراد التوجّه إلى الجهة التي فيها المشرق أو المغرب، بحيث لا يصدق عليه التوجّه إلى عين الكعبة أو جهتها، على حدّ ما يعتبر في الصلاة.
و تعبير المصنّف بالانحراف عن القبلة يتناول عدم الاستقبال و الاستدبار معا؛ لأنّ الانحراف على الوجه الذي ذكرناه يوجب كون المتخلّي غير مستقبل و لا مستدبر، لأنّهما متقابلان، فالانحراف عن أحدهما يقتضي الانحراف عن الآخر.
و في تحقيق التقابل بين العورتين نظر واضح، بل الظاهر أنّ المستدبر بالبول يتحقّق منه الانحراف عن القبلة، فكان الأولى التصريح بإخراجه كالاستقبال.
و قد توهّم بعضهم من هذه العبارة الاكتفاء بإحراف العورة خاصّة و إن بقي الوجه مستقبلا أو مستدبرا؛ لتعليقه الانحراف على العورة [٢]. و هو فاسد؛ لأنّ الأمر في
[١] التهذيب ١: ٢٥/ ٦٤، الاستبصار ١: ٤٧/ ١٣٠.
[٢] منهم ابن فهد الحلّي في الموجز (الرسائل العشر): ٣٩، و المقداد السيوري في التنقيح الرائع ١: ٦٩، و نسبه ابن أبي جمهور الأحسائي في المسالك الجامعية في شرح الألفيّة المطبوعة بهامش الفوائد المليّة: ٨٠ إلى المشهور.