إيضاح ترددات الشرائع - نجم الدين جعفر بن زهدرى حلّى - الصفحة ٧٢
أقول: منشؤه: النظر الى أن قبول الاستثناء في الاقرار على خلاف الاصل بمقتضى الدليل، لما فيه من الانكار بعد الاقرار، ترك العمل به في سماع الاستثناء من الجنس لدليل أقوى، فيبقى معمولا به فيما عداه.
و لان الاستثناء من غير الجنس لو صح، لصح اما من اللفظ أو من المعنى، و القسمان باطلان، فالقول بصحة الاستثناء من غير الجنس باطل.
أما الاول، فلان اللفظ الدال على شيء بعينه غير دال على ما يخالف جنس مسماه، و اللفظ اذا لم يدل على مسماه لا يحتاج الى صارف يصرفه عنه، لاستحالة تحصيل ما هو حاصل.
و أما الثاني، فلانه لو جاز حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه و بين المستثنى ليصح الاستثناء، لجاز استثناء كل شيء من كل شيء، لان كل شيئين لا بدّ أن يشتركا من بعض الوجوه، فاذا حمل المستثنى على ذلك المشترك صح الاستثناء.
و لما عرفنا أن العرب لم يجوزوا استثناء كل شيء من كل شيء علمنا بطلان هذا القسم، و هو اختيار فخر الدين الرازي من الاصوليين و أكثر الفقهاء و النحاة.
و الالتفات الى أن في القرآن و الشعر و المعقول ما يدل على جواز ذلك.
أما الاول، فآيات خمس:
الاول: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّٰا خَطَأً» [١].
الثاني: «فَسَجَدَ الْمَلٰائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلّٰا إِبْلِيسَ» [٢] و لم يكن من الملائكة بل من الجن.
الثالث: «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ
[١] سورة النساء: ٩٢.
[٢] سورة الحجر: ٣٠.