إيضاح ترددات الشرائع - نجم الدين جعفر بن زهدرى حلّى - الصفحة ٨٩
أقول: اختلف العلماء في حقيقة التسري، فذهب أبو حنيفة و محمد الى أنه عبارة عن الوطي و التحذير، و هو اختيار الشيخ في الخلاف [١]، محتجا بأن الجارية ضربان: سرية و خادمة، فاذا حذرها و وطئ فقد ترك الاستخدام و تسرى و قواه في المبسوط، و اختاره المتأخر، و هو أحد أقوال الشافعي.
و ذهب في قوله الثاني الى أنه عبارة عن الوطي فقط، و ذهب في القول الثالث الى أنه عبارة عن الوطي مع الانزال، و به قال أبو يوسف، و هو المذهب عند، و قواه في المبسوط [٢] أيضا.
اذا عرفت هذا فنقول: منشأ نظر المصنف الالتفات الى أصالتي براءة الذمة و عدم الحنث، ترك العمل بها في تحنيثه اذا وطئ و حذر، لانعقاد الاجماع على أنه تسر، اذ لا خلاف بين هؤلاء طرا أنه لو فعل ذلك كان متسريا، و انما الخلاف في أنه لو حصل الوطي فقط، أو الوطي و الانزال هل يكون متسريا أم لا؟.
و الالتفات الى أن الاحتياط يقتضي تحنيثه مع الوطي فقط، أما أو لا فلتحصيل البراءة بيقين. و أما ثانيا فلان مع الاختلاف لا يأمن أن يكون الحق في أحد الاقوال لا بعينه، و اذا كفر مع حصول الوطي فقط كان عاملا بالاقوال جميعها، فيجب عليه سلوك هذه الطريقة، لقضاء العقل بوجوب سلوك الطريق المأمون دون غيره.
و اعلم أن هذه المسألة فرضها الشيخ رحمه اللّه في صورتين: احداهما فيما اذا حلف ألا يتسرى، ذكر ذلك في الخلاف [٣] الصورة الثانية فيما اذا قال: كل جارية تسريت بها فهي حرة، ذكر ذلك في المبسوط.
ثم قال: فاذا قال ذلك نظرت، فان لم يكن له جارية لم يتعلق به حكم، فان
[١] الخلاف ٢/ ٥٨١.
[٢] المبسوط ٦/ ٢٥١.
[٣] الخلاف ٢/ ٥٨١ مسألة ١٠٦.