موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٠ - الكلام في الاستصحاب
فما
أورده المحقق النائيني (قدس سره) عليه حق لا مجال لانكاره، لامكان أن يحكم
العقل بوجود الملاك من باب القدر المتيقن، فبعد انتفاء أحد القيود لا يحكم
العقل بانتفاء الحكم، لاحتمال بقاء الملاك، فيكون مورداً للاستصحاب، إلّا
أنّ هذا مجرد فرض، لأنّا لم نجد إلى الآن مورداً حكم فيه العقل بوجود
الملاك، وأنى للعقل هذا الادراك، وقد ذكرنا في بحث القطع{١}
أنّ الأخبار الدالة على أنّ دين اللََّه لا يصاب بالعقول وأ نّه ليس شيء
أبعد عن دين اللََّه من عقول الرجال، ناظرة إلى هذا المعنى، وهو استكشاف
الحكم الشرعي من حكم العقل بوجود الملاك، وإن كان الحكم الشرعي مترتباً لا
محالة لو فرض القطع بوجود الملاك بادراك العقل، لكنّه مجرد فرض كما ذكرنا.
وإن كان مراد الشيخ (قدس سره) من الحكم العقلي المستكشف به الحكم الشرعي
حكمه بالحسن أو القبح على ما هو محل الخلاف، فذهب الأشاعرة إلى أنّ الحسن
والقبح بيد الشارع، فما حسّنه فهو حسن، وما قبّحه فهو قبيح، ولا سبيل للعقل
إلى إدراك الحسن والقبح أبداً، وذهب أهل الحق والمعتزلة إلى أنّ العقل
يدرك الحسن والقبح، فيرى الظلم قبيحاً ولو لم يكن شرع، والعدل حسناً كذلك
حتى بالنسبة إلى أفعال اللََّه سبحانه، فيرى العقل أنّ الظلم قبيح لا يصدر
منه تعالى وأنّ العدل حسن لا يتركه، فكما أنّ العقل يدرك الواقعيات
ويسمىََ عند أهل المعقول بالعقل النظري، فكذلك يدرك ما يتعلق بالنظام من
قبح الظلم وحسن العدل ويسمىََ بالعقل العملي، فلا يرد عليه إشكال المحقق
النائيني، لأن حكم العقل بالحسن أو القبح لا يمكن أن يكون مهملاً، فانّ
العقل لا يحكم بحسن شيء إلّامع تشخيصه بجميع قيوده، وكذلك القبح. والظاهر
أنّ مراد
{١} راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب ص٥٩