الحقيقة الضائعة - معتصم سيد أحمد - الصفحة ٢٩١
أدخل بالفقه الحنبلي، وهذا مما يدعونا نشك أن أحمد بن محمد بن هارون (أبو بكر الخلال)، المتوفي سنة ٣١١هـ وهو الراوي والناقل للفقه الحنبلي، لم يكن أميناً في نقله أو اختلط عليه الأمر، خاصة أنه لم يكن في عر أحمد بن حنبل ف٥د جمع أشتات المسائل الفقهية المنسوبة إلى أحمد. ويؤيد ذلك اختلاف الروايات في أقوال أحمد اختلافاً عظيماً يصعب على العقل نسبتها جميعها إليه.
يقول أبو زهرة: (إن الفقه المنقول عن أحمد بن حنبل قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على القعبل نسبة كل هذه الأقوال إليه. وافتح أي كتاب من كتب الحنابلة، وأي باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدة مسائل، اختلفت فيها الرواية بين، لا ونعم[١].
فلم يكن المذهب الفقهي لابن حنبل واضحاً عند معاصريه، وما هو موجود إنما هو مذهب مصطنع نشره الحنابلة بالعنف والشدة، كما في بغداد التي كان يغلب عليها المذهب الشيعي، أما خارج بغداد فلم يكن معروفاً، فكان يعتنقه أفراد معدودون في مصر وذلك في القرن السابع، ولكن عندما ولي القضاء موفق الدين عبد الله بن محمد بن عبد الملك الحجازي، المتوفي ٧٦٩هـ انتشر مذهب احمد بواسطته، فقرب الفقهاء الحنابلة ورفع منزلتهم، وأما في باقي الأقطار فلم يكن لهم ذكر، وقد علل ابن خلدون ذلك بقوله: (أما أحمد فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد)، كما في المقدمة. فلم يجد الحنابلة طريقاً إلى نشر مذهبهم إلا بالهرج والمرج وضرب الناس في الشوارع والطرقات، حتى بلبلوا النظام في بغداد، فخرج توقيع الخليفة الراضي يستنكر عليهم فعائلهم ويذمهم بقولهم بالتشبيه، فمنه: (تارة إنكم تزعمون صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيأتكم الرذيلة على
[١] أحمد بن حنبل، لأبي زهرة ص ١٦٨.